المدارس الحدوديّة في مواجهة الحرب والنسيان

ما أن أُُعلن وقف إطلاق النار، في 27 تشرين الثاني 2024، حتّى كانت ليال يوسف، مديرة مدرسة بلدة الناقورة الرسميّة، تضع كرسيًا وطاولة وسط ركام لم يُزَل بعد، وتبدأ التسجيل. تقول في حديثٍ خاصّ: “حطّيت كرسي وطاولة بالمدرسة وبلشت سجّل، الكلّ ما كانوا مصدقين”. الاعتداءات لم تتوقّف كليًا، والدمار كان يحيط بها من كلّ جهة، لكنّها قرّرت أنّ مدرسة الناقورة، البلدة الحدوديّة الأكثر عرضة للقصف، لن تنتظر. 

 ثمن مضاعف للتعليم 

 هذه الصورة ليست استثناءً. إنها تلخّص حقيقة ما جرى في مناطق الحافّة الأماميّة خلال سنتين ونصف من الحرب المتواصلة: دولة غائبة أو متأخرة، ومجتمعات تُنقذ تعليم أبنائها بيدها. 

دفع المتعلّمون في المناطق التي طالتْها الحرب الإسرائيليّة على لبنان ثمنًا باهظًا، خصوصًا في محافظتي الجنوب والنبطيّة، ولكنّ الضرر الذي أصاب الطلّاب في قرى الحافّة الأماميّة كان مُضاعفًا، لأنّ التعليم الحضوريّ في مدارسهم انقطع تقريبًا مع بدء حرب الإسناد في 8 تشرين الأوّل 2023 فالتحقُوا بمدارسَ بديلة، بعد أن اضطرّت الأغلبيّة السّاحقة بينهم إلى مغادرة قراها، في تهجير متكرّر ومحاولة اقتلاع وحشيّة من خلال تدمير البيوت والمدارس وقرى بأكملها أحيانًا. لكنّ إرادة الجنوبيين وعزيمتهم المبهرة وقدرتهم على معاندة الحروب والاعتداءات المتكررة منذ أكثر من 75 عامًا، لا تزال تفرض العودة مرارًا وتكرارًا إلى أراضيهم، وإعادة توفير شروط الحياة من جديد، وعلى رأسها التعليم، برغم الإهمال والتهميش من جهة والوحشيّة من جهة أخرى.   

تستعرض هذه المقالة أحوال المدارس الرسمية وتوزّع المتعلّمين في المناطق التي طالتها الحرب، مع تركيز خاص على المدارس الواقعة فيما بات يُعرف بـ “الحافة الأمامية”. ويتناول التحليل ثلاث مراحل زمنيّة متمايزة: 

  • ما بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، خلال سنة ونصف من الاعتداءات المتواصلة. 
  • خلال الحرب الموسّعة عام 2026، التي امتدت 44 يومًا من 2 آذار حتى نحو 14 نيسان 2026. 
  • بعد 14 نيسان 2026، حين تمركزت الاعتداءات في الجنوب تحديدًا وحتّى اليوم. 

 المرحلة الأولى: عودة إلى ركام (تشرين الثاني 2024 – آذار 2026) 

 وهي المرحلة التي شكّل فيها وقف إطلاق النار فرصةً لاستئناف التّعليم في مناطق لم تبرد جراحها بعد. 

وقد بلغ عدد الطلاب 5,209 طالبًا وطالبة في المدارس المقفلة أمنيًا وجميعها في محافظة النبطية. لم يعد غالبية هؤلاء الطلّاب إلى قراهم، بلّ استقرّوا في النبطيّة وصور وما حولهما. أمّا مباني مدارسهم فكثير منها دُمّر كليًا أو جزئيًا، من دون أن تتوفّر موارد إعادة الإعمار. إذ أجابت وزيرة التربية د. ريما كرامي عبر إحدى مستشاراتها بصراحة نادرة: “لا شيء خاصّ للجنوب حاليًا في هذا الإطار”. وفي ظلّ هذا الفراغ، حاول المجتمع المحلّيّ إيجاد بعض الحلول. وبحسب وزارة التربية، توزّعت المدارس المتضرّرة على ثلاثة مسارات. 

وقد توزّعت المدارس التي تضرّرت مبانيها كليًا أو جزئيًا ومجموعها 20 مدرسة وثانويّة رسميّة  في قرى الحافّة الأماميّة بعد سنة من وقف إطلاق النار إلى 3 فئات بحسب معلومات خاصّة حصلنا عليها من وزارة التربية: مدارس لم تفتح أبوابها، مدارس فتحت في مبنى بديل داخل البلدة، مدارس فتحت في مبنى بديل خارج البلدة.  

 المدارس التي تعذّر فيها مباشرة التدريس

توقف التعليم تمامًا في هذه المدارس حضوريًا ومن بعد، فطالب المديرون منذ بداية الحرب بما أسموه “الحفاظ على كيان المدارس” وقد لبّت وزارة التربية طلبهم بأن يبقى المدير والناظر وعامل المكننة ملحقين إداريًا بالمدرسة ولكن يداومون في مدارس قريبة من أماكن سكنهم الحالي. ويتولّى هؤلاء إعداد جداول بأماكن توزّع الطلّاب والأساتذة وتحضير البيانات الضروريّة عن المبنى تحضيرًا لعودة التعليم حين تتيح الظروف ذلك. ويداوم الطلّاب في مدارس قريبة من سكنهم أيضًا. وتنطبق هذه الحالة على مدارس قرى العديسة وكفركلا ومركبا (قضاء مرجعيون)، ومدرسة حوش السيّد علي (قضاء الهرمل)، أي 4 مدارس وثانويّات فقط. 

 المدارس التي توفّر فيها تعليم حضوريّ في مبنى بديل داخل البلدة نفسها 

اعتمدت المدارس/الثانويّات في بعض البلدات غرفًا جاهزة كما في حالة ميس الجبل، أو مباني لمؤسسات أخرى مثل مركز الرعاية الاجتماعيّة في حولا، ومبنى غير مستعمل لمدرسة خاصّة في الخيام وعيترون وفي مبنى بديل في بلدة قنافذ (قضاء الهرمل) التي أصيبت خلال الاشتباكات مع المجموعات المسلّحة على الحدود مع سوريا. وقد توزّعت هذه المدارس والثانويّات على النحو الآتي: 6 في قضاء مرجعيون، 1 في الهرمل، أي ما مجموعه 7 مدارس وثانويّات. 

 المدارس التي توفّر فيها تعليم حضوريّ في مبنى بديل خارج البلدة 

التحق طلّاب عيتا الشعب وراميا ويارون من قضاء بنت جبيل بمدارسهم نفسها التي بدأت التدريس في مبانٍ بديلة معظمها في مدينة صور وواحدة منها فقط في بلدة الطيري داخل القضاء نفسه، حيث تتجمّع معظم العائلات التي لم تتمكّن من العودة. كما صدر قرار إلحاق طلاب مدارس مروحين والضهيرة ويارين والبستان من قضاء صور بمبنى الجامعة اللبنانيّة- الألمانيّة في القضاء نفسه. لكنّ النازحين قسريًا الذين كانوا في مبنى الجامعة رفضوا إخلاءها، وقد حاولت البلديات إيجاد حلول مناسبة لهم وتقول إحدى النازحات قسريًا أنّ بعض البلديات عرضت مبالغ مالية على النازحين قسريًا ليجدوا لهم سكنًا بديلًا ويخلوا مبنى الجامعة لكنّهم رفضوا خوفًا من أن يطول نزوحهم فلا تكفيهم المبالغ المعروضة عليهم لتسديد بدلات الإيجار. وبلغ عدد هذه المدارس الثانويّات 4 في قضاء بنت جبيل، 4 في قضاء صور،  1 في الهرمل، أي ما مجموعه 9 مدارس وثانويّات رسميّة. 

 المدارس التي فتحت أبوابها في قرى الحافّة الأماميّة 

بينما تعمل المدارس الخاصّة والرسميّة في عدد من البلدات التي لم تعرف دمارًا كبيرًا في قضاء بنت جبيل مثل مدارس بنت جبيل وشقرا وتبنين وبيت ليف وبعض البلدات المسيحيّة مثل رميش وعين إبل بشكل طبيعي. وفي قضاء حاصبيا مدارس كفرشوبا وإبل السقي والهباريّة، وفي قضاء مرجعيون ثانويّات مرجعيون ومجدل سلم والطيبة وإحدى مدارس الخيام والقليعة وفي قضاء صور مدارس علما الشعب والناقورة. وتتوزّع على الشكل الآتي: 6 في قضاء مرجعيون، 16 في قضاء بنت جبيل، و6 في قضاء حاصبيا، و 2 في قضاء صور، وبلغ مجموعها 30 مدرسة وثانويّة.  

 الناقورة: حين تكون الإرادة هي المورد الوحيد 

 من أقوى ما وثّقته هذه الدراسة تجربة مدرسة الناقورة الرسمية التي عملت على إطلاق التعليم الحضوري في قرى الحافّة الأماميّة التي تقع على الحدود مباشرة وعرفت دمارًا واسعًا، ترميم مدرسة الناقورة الرسميّة، تقول ليال يوسف مديرة المدرسة:  

“عاد إلى بلدة الناقورة بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني تقريبا 60 عائلة وبدأوا ترميم بيوتهم، نحن فتحنا لأنّ ترميم مدرستنا لم تكن كلفته عاليّة جدّا، المدارس الباقية في البلدة والبلدات المحيطة لم يجدُوا مباني بديلة لينتقلُوا إليها حتّى الآن… بدأتُ التسجيل للعام الدراسيّ (2025/2026) خلال شهر أيلول 2025. 

قسم من المدرسة مدمّر وليس كلّها.. مجلس الجنوب رمّم وزوّدها بنظام إنتاج طاقة شمسيّة. لكنّ مجلس الجنوب حدّد موعدًا لبدء الترميم ثمّ تراجع، قالوا لي: “وقفونا من فوق”. ولكنّ المديرة أصرّت وتواصلت فأبلغوها بأنّ قرار الترميم صدر. أنجز الترميم خلال شهر ونصف. لا تزال بعض التفاصيل غير منجزة، وخصوصًا نقص المياه، تعتمد المدرسة على الصهاريج التي تؤمّنها البلديّة والدفاع المدني.  

جُرف الردم من الملعب بواسطة أشخاص تطوّعوا بصورة شخصيّة. ثمّ أكمل اليونيفيل الجرف. لا تزال المدرسة مفتوحة على الطريق بسبب تهدّم السور، لكنّنا في حيّ داخلي من البلدة لذلك لا يعدّ ذلك مشكلة.  

وزارة التربية قدّمت بعض الكتب. هناك نقص في التجهيزات.. اليوم الـ UNICEF قدّمت عددًا من اللابتوب.  

العائلات الـ 60 الذين عادوا إلى البلدة، وهم الأكثر فقرًا وهشاشة، البعض منهم رمّم غرفة وسكن فيها ببساطة. يحقّ لهؤلاء الأولاد أن يتعلّموا، لذلك سعينا بفتح المدرسة. 

لمّا رجعنا كانت الألواح في الصفوف مليانة رصاص، آلة التصوير photocopieuse فيها رصاص، اللوح التفاعلي كمان.. 

عدد طلّاب المدرسة قبل الحرب كان 200 تلميذًا/ة واليوم هم 56 تلميذًا/ة.  

عدد من تلاميذ المدرسة يأتون من القرى المحيطة، لأنّهم لم يعودوا إلى بلداتهم، هناك حافلة تنقلهم من العباسية والمنصوري ومعركة… 

اليوم لدينا مشاكل في تأمين الكهرباء بسبب بدء تغيّر الطقس.”  

 المرحلة الثانية: الحرب الموسّعة (آذار – نيسان 2026) 

حين اندلعت الحرب من جديد في 2 آذار 2026، أعلنت وزارة التربية التزامها “بالحفاظ على استمرارية التعلّم لكلّ المتعلّمين.” لكنّها أمام ضغط النزوح القسريّ لم تتمكّن من الحفاظ على التزامها. وقد نظّمت انطلاق التعليم سواء حضوريًا أو من بعد مباشرة بعد الأسبوع الثاني لبدء الحرب. لكنّها في المقابل لم تصدر أيّ قرارات تلزم المدارس الرسميّة في مناطق الحرب بالعودة إلى التعليم في تواريخ محدّدة وملزمة، بل بدأت بجمع البيانات عن أماكن توزّع الطلّاب والمعلّمين، ثمّ حثّت المديرين على بدء التعليم من بعد حيث أمكن. 

وبحلول 28 آذار، كان توزيع طلاب المدارس على النحو الآتي: 

توزيع الطلّاب في المدارس الرسميّة والخاصّة بحسب أنواع التعليم بعد تجدّد الحرب في 2 آذار  2026 

 

والمقصود بحضوري و hybrid أنّ المدرسة فتحت حضوريًا لكنّّها في الوقت نفسه تنقل الدروس على منصّة تعليميّة لبعض طلّابها الذين قد لا يتمكّنون من الحضور. وقد أجمع الأهل والطلاب الذين سألناهم عن التعليم الـ hybrid بأنه أضعف أنواع التعليم لأنّه يكون على المعلّمة التوفيق بين شكلي التعليم في الوقت نفسه، فبدل أن تعتمد على مورد رقميّ مثلًا تشرحه لجميع الطلاب، عليها أن تعتمد مورد/درس تقدّمه ورقيًا وعلى اللوح للطلّاب الحاضرين في الصفّ وتنقله عبر الألواح الذكيّة أو التصوير المباشر المركّز عليها صوتًا وصورة للطلاب الذين يتابعون التعليم من بعد.  

ويظهر الجدول الهوّة بين القطاعين الرسمي والخاص، إذ استطاعت المدارس الخاصّة في مناطق الحرب الحفاظ على استمراريّة التعليم لجميع طلابها، بينما بقي 17% من طلاب الرسمي من دون أيّ تعليم لفترة طويلة نسبيًا (حتّى 28 آذار وأحيانًا لفترات أطول). ولا يبرّر ذلك القول إنّ الخاص يضغط لاستئناف التعليم لتحصيل الأقساط، ولا أنّ التعليم من بعد غير فعّال، فحتّى لو صحّ ذلك، فالنتيجة الماديّة الواقعة على الطلاب واحدة: طلاب الخاص عادوا إلى التعليم رغم الحرب، بينما طلّاب الرسمي في مناطق الحرب وهم الأكثر فقرًا وهشاشة لم يعودوا للتعليم، أو تأخّروا كثيرًا في العودة. 

وكان في مراكز النزوح وفق أرقام وزارة التربية 19,666 طالبًا يمثّلون 2% من مجمل طلّاب لبنان، لكنّهم يمثّلون 4.9% من طلّاب الرسمي و22% من طلّاب مناطق الحرب. في المقابل، بلغ عدد طلاب المدارس الخاصّة في مراكز النزوح 5,518 طالبًا فقط، أي ما يعادل 0.7٪ من مجموع طلاب القطاع الخاص. وتكشف هذه الأرقام بوضوح أنّ الحرب لم تُصب جميع الطلاب بالتساوي، بل أعادت إنتاج التفاوتات القائمة وعمّقتها، بحيث تحمّل طلاب التعليم الرسمي والفئات الأكثر هشاشة العبء الأكبر للنزوح والانقطاع عن التعليم، فيما عكس النظام التعليمي هذه اللامساواة بدقّة مؤلمة. 

 تظهر هذه الأرقام فرقًا بنسبة 24% في التعليم الحضوري بين المدارس الرسميّة والخاصّة لصالح الخاص، بالإضافة إلى تمكّن الخاص كلّه في مناطق الحرب من اعتماد التعليم الحضوري بينما فشلت وزارة التربية في تأمين هذه الخدمة لـ 17% من طلّابها. ولا يبرر هذه الفروق أنّ المدارس الخاصّة تضغط لاستئناف التعليم من أجل تحصيل الأقساط،  

 المرحلة الثالثة: بعد ما يسمى بوقف إطلاق النار الجزئي (أيار 10-6-2026 – اليوم) 

 بعد أيار 2026، تركّزت الاعتداءات في الجنوب تحديدًا. تُظهر بيانات وزارة التربية أنّ 60% من الطلّاب في لبنان يتعلّمون حضوريًا على المستوى الوطنيّ، لكنّ هذا المتوسّط يخفي واقعًا أشدّ قسوة إذ أنّ 95% من طلّاب النبطيّة يتعلّمون من بُعد،  

64% من طلاب الجنوب يتعلّمون من بُعد و 93%  من طلاب بيروت يتعلّمون عن بُعد، لأنّ مدارسهم لا تزال تستضيف النازحين قسريًا. والـ 40% الذين يدرسون من بعد يتوزّعون 23% من مناطق الحرب، و 17% من مناطق آمنة تحوّلت مدارسهم إلى مراكز نزوح، ويفقد هؤلاء الـ 40% جميعًا، أي أكثر من ثلث المتعلّمين في لبنان، ما يقارب ثلث العام الدراسي، من آذار حتى نهايته. 

 

وتبيّن هذه الجداول التي أعدّتها وزارة التربية أنّ 9 طلاب فقط، من محافظة بعلبك الهرمل منقطعون عن التعليم بعد وقف إطلاق النار. 

الدعم النفسي الاجتماعي: غائب حيث الحاجة أشد 

 يقول الأهالي أنّ أولادهم عادوا لحياتهم الطبيعيّة لكنّ الآثار النفس/اجتماعيّة لا تزال تظهر وتؤثر في سلوكهم وتعليمهم، ولم تُقدّم لهم حتّى الآن أيّ مبادرات دعم. وتعد وزارة التربية “سيكون هناك تكثيف لزيارات الإرشاد والتوجيه” للمدارس التي التحقوا بها. لكنّ المشكلة أنّ عدد المرشدين في المنطقة محدود وقد نزح الكثيرون منهم، ولا يقصد المنطقة أي مرشد من خارجها بسبب المحاذير الأمنيّة. ولم يحصل المرشدون المكلّفون بهذه المهام على أيّ برامج خاصّة تتوجّه لهؤلاء الأطفال.  

وفي دراسة أجراها مركز الدراسات اللبنانيّة أعرب 48% من الأهل عن حاجة أولادهم للدعم النفسي. وتقول الدراسة” إنّ الدعـم النفسي والعاطفي للتلاميذ والتلميذات وأولياء الأمور والمعلّمين والمعلمات الذين يواجهون الصدمة بسبب النزوح والعدوان هـو على القـدر نفسـه مـن الأهميـة. شـدّد المعلمون والمعلمات على أنّ برامج الدعم النفسي يجـب أن يقودها مهنيـّون مؤهّلـون لمعالجـة مخاوف الأطفال والتحديات العاطفيّة” 

الفاقد التعليمي التراكمي منذ انفجار الأزمة الاقتصاديّة في تشرين أوّل 2019 حتّى اليوم 

تصرّح وزيرة التربية في مقابلة لها أنّ “كلّ طالب في لبنان يعاني من 40% فاقد تعليمي” لكن لم تجر أي دراسة تبيّن الفاقد في المحافظات التي عانت أكثر من غيرها من الحرب الإسرائيليّة على لبنان.  ولا تتوجّه خطط خاصّة بتعويض الفاقد التعليمي لمدارس الجنوب والنبطيّة أو قرى الحافّة الأماميّة، وتعتبر وزارة التربية أنّ خطّة التقييم التشخيصي والدعم الذي قُدِّم لمرحلة التعليم الأساسي، يطالان طلّاب هاتين المحافظتين، ما يساهم في ردم الهوّة ومعالجة الفاقد التعليمي.  

وقد أعلنت وزيرة التربية مؤخرًا أنّ اختبارًا تشخيصيًا جديدًا سيجري في بداية العام الدراسيّ القادم 2026/2027 لتقييم الفاقد التعليمي الذي قد يكون قد نتج عن انقطاع التعليم في حرب 2026 

خـلاصــة 

كشفت البيانات الواردة في هذه الدراسة عبر مراحلها الثلاث عن حقيقة واحدة متكرّرة: المناطق الحدوديّة في الجنوب والنبطيّة لم تدفع ثمن الحرب مرة واحدة، بل دفعته مرات في كلّ مرحلة، وفي كلّ انقطاع، وعلى كلّ صعيد. فطلّاب قرى الحافّة الأماميّة عاشوا انقطاعًا تعليميًا شبه كامل عند انطلاق الحرب في أكتوبر 2023، ثم تهجيرًا قسريًا، ثم عودة إلى ركام، ثم حربًا موسّعة من جديد، والفاقد التراكمي الناتج لا تقيسه أيّ دراسة خاصّة بهاتين المحافظتين حتّى اليوم. 

هذا الواقع يطرح أولويّة واضحة: لا يكفي أن تكون خطّة التقييم والدعم وطنيّة وموحّدة. ما يحتاجه الجنوب والنبطيّة هو سياسة استثنائيّة تنطلق من حجم ما خسره طلابها تحديدًا، دراسة دقيقة للفاقد التعليميّ التراكميّ، وبرامج دعم نفسيّ ميدانيّة بأيدي مختصين، وخطط تعويض مرحليّة لا تنتظر بداية العام الدراسيّ القادم. 

والمدخل العمليّ الأكثر جدوى هو ما أثبتته هذه المجتمعات بنفسها: حين توفّرت الموارد الأدنى كمبنى يُرمَّم وكرسي يُوضع وطاولة تُفتتح عادت المدارس وعاد الطلاب. المطلوب من الدولة ليس معجزات، بل أن تصل الموارد في الوقت المناسب، وألا تكتفي بالاحتفاء بالصمود المجتمعيّ وأن تبني عليه بدلًا من الاكتفاء بالإشادة به. 

لأنّ لبنان الواقع على خطّ زلازل أزمات متكررة على المدى المنظور ليس لديه إلا أن يتمسّك بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، على كلّ صعيد، والتمسّك بتوفير واستمرار التعليم هو من أهمّ ما يجب على كلّ مجتمع أن يفكّر فيه، في مطلق الظروف.  

 

*الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة أو مركز الدراسات اللبنانية، بل تمثل رأي صاحبها فقط