ست سنوات من الازمات المتراكمة عمقت فجوة اللاعدالة في التعليم 

تكشف البيانات أنّ المشكلة ليست صدمات عابرة، بل سياسات مؤقتة مزمنة عمّقت الفجوات التعليمية وأضعفت قدرة الطلاب والأسر والمعلّمين على الصمود. 

لا يمكن تفسير الأزمة التعليمية في لبنان باعتبارها حصيلة صدماتٍ منفصلة، بل هي تجلٍّ لانكشاف ثغراتٍ مؤسساتية وبنيوية عميقة حدّت من قدرة القطاع التربوي على الصمود وتأمين العدالة التعليمية في وجه الأزمات المتراكمة. فالانهيار الاقتصادي الذي بدأ أواخر عام ٢٠١٩ لم يُنتج أزمة التعليم بحدّ ذاته، بقدر ما كشف حدود الإدارة التربوية، وتشتّت التخطيط، وضعف أدوات المساءلة داخل المؤسسات، ما قلّص قدرة القطاع على تقديم استجابات منتظمة ومستدامة خاصة للطلاب من ذوي الدخل المحدود والطلاب اللاجئين وذوي الإعاقة. 

ومنذ عام ٢٠٢٠، تراكمت الأزمات بوتيرة متسارعة: إغلاق المدارس خلال جائحة كورونا وفترات التعليم عن بُعد، الإضرابات المتكررة في القطاع الرسمي، ثم العدوان الإسرائيلي الأخير الذي أدّى إلى نزوح عشرات الآلاف وتعطّل مئات المدارس وتحويل عدد كبير منها إلى مراكز إيواء. ولم تأتِ هذه التطورات كمحطاتٍ منفصلة، بل تداخلت لتُنتج خسائر تعليمية متراكمة وفجوات آخذة في الاتساع، أثّرت على جودة التعلّم واستمراريته، وعلى قدرة الأسر والمعلّمين والطلاب على الصمود في بيئةٍ تتراجع فيها مقوّمات الاستقرار والدعم المؤسسي. 

في المقابل، اتسمت السياسات التربوية خلال هذه السنوات بطابعٍ علاجي متقطّع وغير مكتمل، أقرب إلى ردود فعلٍ مؤقتة منها إلى رؤية إصلاحية تعيد هيكلة القطاع. وقد طال هذا النهج ملفاتٍ أساسية، من تعليم اللاجئين ورواتب الأساتذة إلى برامج تعويض فاقد التعلّم، ولا سيّما في المدارس الرسمية التي ظلّت تدخّلاتها رهينة التمويل الخارجي الآني بدل أن تكون سياسات دولة مخطّطًا لها ومستمرّة. ويجسّد قرار وزارة التربية هذا العام تقليص أيام التدريس في المدارس الرسمية إلى أربعة أيام أسبوعيًا هذا المنطق بوضوح؛ فبينما يخفّف العبء المالي على المدى القصير، يُنذر بتوسيع فجوات التعلّم في وقتٍ يحتاج فيه النظام إلى مزيدٍ من الوقت التعليمي لتعويض الخسائر لا تقليصه. 

وهكذا، ومع بداية عام ٢٠٢٦، لا تبدو الأزمة التعليمية حدثًا طارئًا، بل مسارًا بنيويًا مستمرًا يعيد تشكيل ملامح التعليم في لبنان، ويطرح أسئلة ملحّة حول مستقبل العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص بين الطلاب والقطاعات. 

ضمن هذا المسار الطويل، نفّذ مركز الدراسات اللبنانية سلسلة من الاستطلاعات عبر الإنترنت منذ عام ٢٠٢١، شملت الأهالي والطلاب والمعلّمين في مختلف المحافظات اللبنانيةوفي عام ٢٠٢٥، أُجريت ثلاث استطلاعات؛ استهدف الأول ٥١١ من طلاب الصف الثاني عشر بهدف تقييم جهوزيتهم لامتحانات عام ٢٠٢٤٢٠٢٥ الرسمية بعد سنوات من الانقطاع وغياب الاستقرار التعليميأما الاستطلاع الثاني فشمل ١٠٨٩ من الأهالي لقياس الضغوط المالية التي تواجه الأسر، ومستوى الدخل وقدرتهم على تغطية الأقساط المتزايدة في المدارس الخاصة، إضافة إلى تتبّع النتائج التعليمية لأطفالهم ورصد حالات الانتقال بين القطاعين الرسمي والخاص وأسبابهاواستهدف الاستطلاع الثالث ٨٢٨ من المعلّمين في المدارس الرسمية والخاصة لتقييم ظروف العمل، ولا سيما الرواتب والفجوة بينها وبين تكاليف المعيشة، إلى جانب الضغوط المهنية والنفسية المصاحبة لها. 

Figure 1. توزع العينة بحسب المحافظة  

وقد طُرحت الأسئلة في هذه الاستطلاعات بطريقة تسمح بالمقارنة عبر السنوات لرصد التغيرات المتتابعة، بما يوفّر قاعدة أساسية لفهم كيف تُعيد الأزمات المتراكمة منذ عام ٢٠٢٠ صياغة البنية التعليمية في لبنان. 

الفاقد التعلّمي والانقطاع عن التعليم 

 شكّلت الأزمات المتلاحقة منذ عام ٢٠٢٠ نقطة تحوّل قاسية في مسار التعليم في لبنان، إذ أدّت إلى انقطاعات واسعة في التعليم الحضوري، كان أبرزها إغلاقات جائحة كورونا، والإضرابات الممتدّة في القطاع الرسمي، ثم تعطّل المدارس جرّاء العدوان الإسرائيلي وما تبعه من موجات نزوحٍ واسعة. وفي هذا الإطار، تبيّن تقديراتنا أنّ طلاب المدارس الرسمية خسروا بين العامين الأكاديميَّين ٢٠١٩ إلى ٢٠٢٠ و٢٠٢٤ إلى ٢٠٢٥ ما مجموعه ٤٤٥ يوماً من التعليم الحضوري المُنتظم، وهو ما يُقارب نصف الوقت التعليمي المُفترض وفق منهاج ١٩٩٧. 

وتبدو حدّة الوضع أكثر وضوحًا في القرى الحدودية الجنوبية، حيث ارتفعت مدَة الانقطاع عن التعليم الحضوري إلى نحو ٦٣٠ يومًا، بعدما تعذّر على عددٍ كبيرٍ من الطلاب الالتحاق بمدارسهم منذ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣ بسبب النزوح ودمار البنية التحتية. وقد أسهم هذا الانقطاع الطويل والمتكرر في اتساع الفجوات التعليمية، ولا سيّما بين الفئات الأكثر هشاشة مثل اللاجئين والطلاب في المناطق التي تعرّضت بشكلٍ مباشرٍ للعدوان. 

وتعكس هذه الانقطاعات آثارًا عميقة على مسار التعلّم. ووفق تقديراتنا المستندة إلى محاكاة أجراها البنك الدولي، ارتفع معدل الفقر التعليمي بنحو ٣٠ نقطة مئوية بين طلاب المدارس الرسمية خلال هذه السنواتويُعرّف الفقر التعليمي بأنه نسبة الأطفال في سن العاشرة الذين هم خارج المدرسة أو غير القادرين على قراءة نص بسيط وفهمه. وفي المناطق الحدودية التي شهدت فترات أطول من الانقطاع، يُرجّح أن يكون الارتفاع قد بلغ ٤٠ نقطة مئوية، مما يعمّق التفاوتات التعليمية بين المناطق ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر تضررًا. 

وتجدر الإشارةُ إلى أنّ فاقدَ التعلّم كان واضحاً حتى قبل العدوان، حيث تظهر نتائجُ دراسةٍ أجريناها قبل تصاعد العدوان على عيّنةٍ من ٢٧٢ طالباً في الصفّ العاشر ضمن خمس محافظات لبنانية، وجودَ فجواتٍ عميقةٍ في الكفايات الأساسية، إذ لم تتجاوز نسبُ النجاح ٣٪ في الرياضيات، و٨٪ في اللغة العربية، و١٣٪ في اللغة الإنجليزية. وتُظهر هذه النتائج حجم الخسائر التعليمية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، وما ترتّب عليها من تراجع خطير في استعداد الطلاب لمواصلة تعلّمهم والانتقال السليم بين المراحل التعليمية. 

كما تنعكس نتائج هذه الدراسات في نتائج استطلاعنا الأخير، إذ يُظهر الاستطلاع الإلكتروني لعام ٢٠٢٥ الخاص بطلاب الصف الثاني عشر تراجعًا حادًا في مستويات الجهوزية للامتحانات الرسمية. فقد أفاد ١٠٪ فقط من طلاب المدارس الخاصة و٦٪ من طلاب المدارس الرسمية بأنهم جاهزون لخوض الامتحانات الرسمية، في انخفاض واضح مقارنة بنسب الأعوام السابقة. 

 

وعند التدقيق في العوامل التي تقف خلف هذا التراجع، يتبيّن بوضوح الدور الاساسي للحالة النفسية؛ إذ أشار ٧٦٪ من الطلاب إلى أنّ الضغوط النفسية كانت السبب الأبرز وراء ضعف جهوزيتهم. وتليها تأثيرات العدوان بنسبة ٤٥٪، ثم عدم استكمال المنهج بنسبة ٤١٪، وتراكم الفاقد التعليمي خلال السنوات الماضية بنسبة ٤٠٪.  

الأعباء الاقتصادية وتحديات الأسر  

إلى جانب الفاقد التعليمي والانقطاع المتكرر عن التعليم، واجهت الأسر اللبنانية خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا مالية كبيرة جعلت تكلفة التعليم عبئًا يفوق قدرتها. فقد أظهر استطلاعُ الأهالي لعام ٢٠٢٥ أنّ متوسطَ الدخل السنوي للأسر بلغ نحو ١٢٫٢١٦ دولاراً، بينما سجّلت الكُلفةُ السنوية لتعليم الطفل الواحد في المدارس الخاصة، وتكاليف النقل معاً، حوالي ٤٫٤١٧ دولاراً، أي ما يوازي أكثر من ثُلث دخل الأسرة، في ظلّ استمرار ارتفاع هذه الكُلفة وسط غيابٍ للرقابة. ورغم التحسّن النسبي في دخل الأسر مقارنة بعامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، فإنّ القسط السنوي لتعليم طفلٍ واحدٍ في المدارس الخاصة ما يزال يُشكّل نسبةً مرتفعةً من الدخل السنوي للأسرة، كما إن نسبة كبيرة من الاسر (نحو الثلثين) ما زالت تواجه صعوبة في دفع فواتير المنزل الأساسية. 

Figure 2متوسط الدخل السنوي للأسرة ومتوسط الرسوم الدراسية السنوية وتكلفة النقل لطفل واحد في مدرسة خاصة 

وتتجلّى آثار هذا الضغط المالي بوضوح في أنماط النزوح بين القطاعات التعليمية. فقد أظهرت نتائج استطلاعنا الأخير أنّ الانتقال من المدارس الرسمية إلى المدارس الخاصة كان محدودًا جدًا، إذ أفاد ٣٪ فقط من عينة الأهالي الذين لديهم أطفال في المدارس الخاصة بأنهم نقلوا أطفالهم إلى مدرسة خاصة في العام الدراسي ٢٠٢٥–٢٠٢٦، وكان السبب الرئيسي هو تراجع جودة التعليم في المدارس الرسمية. في المقابل، كشف الاستطلاع أنّ نحو نصف عينة الأهالي الذين لديهم أطفال في المدارس الرسمية (٤٦٪) أفادوا بأنهم نقلوا أبناءهم من المدارس الخاصة إلى الرسمية خلال العام نفسه، وكان الدافع الأساسي وراء هذا الانتقال هو عدم القدرة على دفع الرسوم المدرسية الخاصة بحسب ٩٠٪ منهم. وتشير هذه الأنماط بوضوح إلى أنّ انتقال التلامذة بين القطاعات التعليمية تحكمه بالدرجة الأولى القدرة على تحمّل الكلفة، وليس جودة التعليم، وأن المخاوف المرتبطة بتراجع جودة التعليم الرسمي لم تكن كافية لوقف موجة الانتقال القسري من الخاص إلى الرسمي.

 كما تبيّن أنّ العدوان الإسرائيلي الأخير أثّر بشكل مباشر على قدرة الأسر على تأمين التعليم لأطفالها، إذ أفاد ٨٦٪ من الأهالي في المناطق المتضررة مباشرة من العدوان بأنهم اضطروا للنزوح من منازلهم. ورغم أنّ ٨٣٪ منهم عادوا لاحقًا، فإن آثار النزوح انعكست بوضوح على المسار التعليمي من بين الأطفال الذين لا يزالون نازحين؛ فقد عاد ٢٥٪ فقط من الأطفال النازحين إلى مدارسهم الأصلية، في حين لم يلتحق ٩٪ بالمدرسة هذا العام، وانتقل ١٦٪ إلى مدارس أخرى. وكان العامل المالي الأكثر حضورًا في تفسير الانتقال الى مدارس أخرى، إذ أشار ثلاثة أرباع الأهالي إلى أنّ ارتفاع الرسوم أو الضغوط الاقتصادية كانت الدافع الرئيسي لتغيير المدرسة، بينما ربط ٢١٪ الانتقال بتدمير منازلهم، و١٦٪ بمخاوف أمنية. 

 كما أظهرت النتائج أنّ ٢٧٪ من التلامذة في المناطق المتأثرة بالعدوان تعرّضوا لانقطاعات دراسية خلال العامين الماضيين، وغالبًا لفترات تراوحت بين شهر وثلاثة أشهر (٦٥٪)، وفي حالات أقل امتدّت الانقطاعات إلى فصل دراسي كامل (٤٪) أو عامين متتاليين (١٪). وخلال هذه الفترات، أفاد ١٨٪ فقط من الأهالي بأن أطفالهم تلقّوا تعليمًا منتظمًا عن بُعد، في حين تلقّى ٤١٪ دروسًا متقطّعة، ولم يتلقّ ٤١٪ أي نوع من الدعم التعليمي. ولم تقتصر آثار هذه الانقطاعات على الجوانب اللوجستية فحسب، بل شملت أيضًا أبعادًا نفسية واجتماعية واضحة؛ إذ أفاد الأهالي في مختلف العيّنة بأن العدوان خلّف تأثيرات نفسية ملحوظة على أطفالهم. فقد لاحظ ٤٨٪ منهم زيادة في مشاعر الخوف أو القلق لدى اطفالهم، وأشار ٣٢٪ إلى صعوبة في التركيز، بينما أبلغ ١٦٪ عن مشكلات في النوم. 

 وفي ظل هذه التحديات، لم يُبدِ سوى ٢٥٪ من الأهالي ثقة بقدرة أطفالهم على مواصلة تعليمهم، فيما ظلّت الغالبية (٧٥٪) غير متأكدة من مستقبل أبنائها الدراسي. كما أفاد ٩٪ من الأهالي المشاركين في الاستطلاع بأن لديهم طفلًا واحدًا على الأقل دون سن الثامنة عشرة قد تسرّب من المدرسة خلال العام الحالي. وبما يتوافق مع نتائج الموجات السابقة، يظهر أنّ معظم الأطفال المتسربين هم من الذكور، حيث أشار الأهالي إلى أنّ نحو ثلثي حالات التسرب تعود لذكور. 

 أوضاع المعلّمين وتدهور بيئة العمل 

 لا يكتمل فهم مسار الأزمة التعليمية دون تحليل أوضاع المعلّمين الذين يشكّلون الركن الأساسي في العملية التربوية. فقد أظهر استطلاع المعلّمين لعام ٢٠٢٥ أنّ متوسط الدخل الشهري للمعلّم في عام ٢٠٢٥ بلغ نحو ٧٠٠ دولار أميركي، وهو تحسّن نسبي مقارنة بما سُجّل في عام ٢٠٢٣ (نحو ١٥٩ دولارًا) ، إلا أنّه يبقى أقل بكثير من مستويات ما قبل الانهيار المالي حيث كان متوسّط الأجر يقارب ١٣٠٠ دولار  

Figure 3. متوسط الرواتب الشهرية للأساتذة بحسب نوع التوظيف والقطاع 

يردُ هذا الواقع المالي بصورة أوضح عند مقارنته بكلفة المعيشة. فقد بلغ متوسط النفقات المنزلية الأساسية نحو ١٬١٧٤ دولارًا شهريًا، تشمل تكاليف الغذاء والنقل والكهرباء والإنترنت والمستلزمات الطبية. وبذلك، فإن النفقات الأساسية وحدها باتت تمثّل نحو ١٦٧٪ من متوسط الدخل الشهري للمعلّم، ما يعكس حجم الاختلال بين الأجور وكلفة المعيشة، ويظهر أنّ الدخل الحالي لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، من دون احتساب كلفة السكن أو التعليم أو التدفئة. 

Figure 4متوسط النفقات المنزلية الأساسية الشهرية للأساتذة 

وبعيداً عن الجانب المالي، تكشف نتائج الاستطلاع أنّ الضغوط التي تواجه المعلّمين تتخطّى الأعباء المعيشية لتطال الحالة النفسية والدافع المهني. على سبيل المثال، أفاد ٧٨٪ من الأساتذة بأن حافزهم للعمل قد تأثر بشكل سلبي بسبب الأزمات المتراكمة. وبالمثل، وصف ٧٢٪ من الأساتذة تأثير الأزمات على صحتهم النفسية بأنه سلبي، في انعكاس مباشر للأعباء الاقتصادية والاجتماعية الممتدة وحالة عدم الاستقرار المهني. أما فيما يخص الأداء المهني، أفاد ٢٠٪ من الأساتذة بأن أدائهم تأثّر بشكل سلبيوفيما يتعلق بجودة التعليم، أشار المعلّمون إلى أن المدارس الرسمية كانت الأكثر تأثّرًا بالأزمات، حيث أفاد ٤٠٪ بأن التأثير كان سلبيًا مقارنةً بـ٢٥٪ فقط في المدارس الخاصة. 

فقد أعرب معلّم واحد فقط من بين كل ثلاثة معلمين عن رغبته في الاستمرار في العمل في قطاع التعليم، بينما أفاد ١٢٪ بأنهم لا يرغبون في البقاء فيه، وذكر ٥٦٪ أنهم يواصلون العمل في هذا القطاع لعدم توفر بدائل وظيفية أخرى. وتعكس هذه النتائج تهديدًا جديًا لاستدامة قطاع التعليم في لبنان، ولقدرة النظام التعليمي على الاحتفاظ بكوادره التعليمية في ظل هذا الواقع المتدهور.  

الأسباب البنيوية والمؤسساتية 

وقد أدى هذا النهج القائم على إدارة الأزمة بدل منعها او التحضير لها إلى اتساع الفجوة بين التعليم الخاص والرسمي، إذ لم تتمكّن المدارس الرسمية من بناء بيئة تعليمية قادرة على الحفاظ على استقرار الكادر التعليمي، أو استكمال المنهج، أو التعويض الحقيقي للفاقد التعليمي، ما جعل عناصر الجودة في التعليم الخاص تتفوّق تدريجيًا وتتجاوز الرسمي بدرجات. وبحلول عام ٢٠٢٥، لم يعد التعليم الخاص، ذو الكلفة المرتفعة، خيارًا متاحًا سوى للأسر القادرة ماليًا، ما جعله أقرب إلى آلية فرز اجتماعي تقيّد الجودة التعليمية بالقدرة الاقتصادية والطبقة الميسورة، بينما تحوّلت الأزمة في المدارس الرسمية إلى ضعف بنيوي مزمن يتراكم عامًا بعد عام نتيجة استمرار، وغياب التشريعات التي تضمن حقوق الأساتذة وتضع معايير للجودة والتقييم المؤسّسي.  

ختامًا، وعلى ضوء نتائج الدراسات التي اجريناها على مدى السنوات الست الماضية، بات من الضروري أن يُقدِم صانعو السياسات التعليمية في لبنان على قرارات حاسمة. فتنظيم الأقساط المدرسية الخاصة بما يتوافق مع دخل الأسرة، والحفاظ على مجانية التعليم الرسمي وضمان جودته، تُعدّ أولوياتٍ لا تحتمل التأجيل، كما يظلّ تحسين رواتب المعلّمين بما يعيد التوازن بين الأجر ومتطلبات الحياة شرطًا أساسياً لحماية استمرارية التعليم. ولا يقلّ أهمية عن ذلك اعتماد سياسات لتعويض الفاقد التعليمي عبر خطط تعافٍ تعليمية تقوم على تشخيص الفجوات وفق تقييمات معيارية ونوعية، وتوفير برامج لتعويض الفاقد التعليمي للفئات الأكثر تهميشًا. كذلك، يتعيّن توفير دعمٍ للعائلات المتضررة بالعدوان بما يكفل استمرار تعليم أطفالها. وفي غياب هذه الإجراءات، ستبقى الضغوط المالية والاجتماعية والنفسية تُضعِف حقّ الأطفال في تعليمٍ مستقر وعادل. 

 

المراجع  

Chahine, N., Hammoud, M., & Shuayb, M. (2024). The Impact of the Multiple Crises on Learning Loss Among Tenth-Grade Students in Lebanese Public Schools. Centre for Lebanese Studies. 

Common Ground Fund. (2023). Lebanon’s education crisis: A call for action. CG Fund. 

Hammoud, M. and Brun, C. (2025). Education and crises: The cost of delayed recovery in Lebanon. ERICC Working Paper. 

Hammoud, M. (2025a). Educational disruption and exam preparedness: The state of Lebanon’s Grade 12 students in 2025Centre for Lebanese Studies.  

Hammoud, M. (2025b). Families on Edge: The Struggle to Keep Children in School in LebanonCentre for Lebanese Studies.  

Hammoud, M. (2025c). Teaching Through Crisis: How Lebanon’s Compounding Crises Are Reshaping the Teaching ProfessionCentre for Lebanese Studies. 

*الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة أو مركز الدراسات اللبنانية، بل تمثل رأي صاحبها فقط