التعليم في لبنان بين الأزمات المزمنة وغياب التمويل وسياسات الطوارئ

تُظهر التجارب الدولية أن الحكومات تلجأ، خلال الحروب والكوارث والأزمات الصحية والاقتصادية، إلى اعتماد سياسات مالية ونقدية استثنائية للتخفيف من آثار الصدمات على المجتمع. وغالبًا ما تتجه الدول إلى توسيع الإنفاق العام، تخصيص موازنات طارئة، دعم القطاعات الأساسية، وتأمين استمرارية الخدمات الحيوية مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. إلا أن الحالة اللبنانية تبدو مختلفة؛ إذ تكشف الأزمات المتلاحقة منذ سنوات عن نمط ثابت من الجمود المالي والإداري، حيث تستمر الدولة في اعتماد السياسات نفسها تقريبًا من دون أي تحول فعلي نحو إدارة استثنائية للأزمات.

ويظهر هذا الخلل بوضوح في قطاع التعليم، الحكومات اللبنانية المتعاقبة تعاملت مع التعليم باعتباره قطاعًا غير منتج لا مشروعًا استراتيجيًا للتنمية، فغاب التخطيط، كما غابت خطط الطوارئ والتمويل الاستثنائي القادر على حماية المدرسة الرسمية وضمان استمرارية التعليم خلال الأزمات.

نحاول في هذه المقالة فهم أسباب عدم تخصيص موازنة طارئة للتعليم خلال الأزمات أو الحروب وغياب الرؤية الشاملة لحماية التعليم خلالها.

أزمة التعليم المستمرة

منذ عام 2019 يعيش لبنان أزمات كبرى مركبة أثّرت بعمق على القطاع التربوي. فقد تداخل الانهيار المالي مع تداعيات جائحة كورونا، ثم مع الحروب والتوترات الأمنية كشف هشاشة النظام التعليمي وضعف قدرته على التكيف. وتراجعت جودة التعليم بشكل ملحوظ نتيجة الانقطاع المتكرر للدراسة، ضعف التمويل، انهيار القدرة الشرائية للمعلمين1، تراجع الالتحاق بالمدارس والجامعات2، وتراكم الفاقد التعليمي وفقدان أيام تدريس3

ورغم ضخامة الأزمة، لم تبادر الحكومات إلى وضع خطة إنقاذ شاملة للتعليم. بل استمر الإنفاق العام ضمن حدوده الدنيا، مع تركيز شبه كامل على تغطية النفقات التشغيلية والرواتب والتقديمات الاجتماعية. وتشير المعايير الدولية، ومنها توصيات منظمة اليونسكو إلى ضرورة تخصيص ما بين 15 و20% من الإنفاق الحكومي للتعليم في الدول النامية4. لكن لبنان بقي لفترة طويلة دون هذه النسب (بحدود 6%)، قبل أن ترتفع حصة التعليم في موازنة 2026 شكليًا (12%) نتيجة تضخم الرواتب والتقديمات، لا بسبب زيادة الاستثمار الفعلي في تطوير القطاع.5

فالأرقام وحدها لا تعكس تحسنًا حقيقيًا، لأن الجزء الأكبر من الإنفاق لا يذهب إلى تحديث المدارس، تطوير المناهج، التكنولوجيا التربوية أو بناء القدرات، بل إلى تغطية نفقات تشغيلية أساسية. كما أن توزيع المخصصات في الموازنات العامة يكشف ضعف الاستثمار الحكومي الفعال في مختلف القطاعات، ومنها التعليم.

الاعتماد المزمن على التمويل الخارجي

منذ عقود، ارتبطت المشاريع التربوية الكبرى في لبنان بالتمويل الخارجي. فتحديث المناهج بداية السبعينيات، ثم مناهج عام 1997، وصولًا إلى مشاريع التطوير الحالية، كلها قامت بشكل أساسي على هبات أو قروض دولية. وحتى المشاريع الحديثة S2R2 المتعلقة بالمناهج أو تطوير الإدارة التربوية، يجري تنفيذها بتمويل من البنك الدولي أو الجهات المانحة.أما بين العامين 2011 و 2022 فقد وصلت المساعدات والهبات والقروض والهبات العينية 6 إلى أكثر من 1.7 مليار دولار لقطاع التعليم وحده من الدول المانحة عدا ما أنفقته اليونيسف في نفس الفترة أكثر من 2 مليار دولار7.

هذا الواقع يعكس غياب الاستثمار الوطني المستدام في التعليم. فالدولة اللبنانية لا تبدو وكأنها تمتلك رؤية استراتيجية مستقلة لتطوير القطاع، بل تنتظر باستمرار المبادرات الدولية أو التمويل الخارجي المرتبط ببرامج أممية مثل “التعليم للجميع” أو “التعليم لا ينتظر” أو أهداف التنمية المستدامة.

كما أن التعليم لم يتحول يومًا إلى أولوية حكومية فعلية، بل بقي رهينة المبادرات الفردية لبعض الوزراء أو الإدارات، من دون وجود سياسة وطنية متكاملة تربط التعليم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي المقابل، توسع نفوذ القطاع التربوي الخاص الذي يستحوذ على 70% 8 من التلامذة، بينما تراجع دور المدرسة الرسمية رغم أنها تشكل الضمانة الأساسية للفئات الأكثر هشاشة.

الإنفاق بلا رؤية

خلال السنوات الماضية، تلقى قطاع التعليم في لبنان مليارات الدولارات من الهبات والقروض والمساعدات الدولية، خصوصًا بعد اندلاع الأزمة السورية وتدفّق اللاجئين إلى لبنان. وقد موّلت الجهات الدولية مشاريع متعددة شملت بناء المدارس، دعم رواتب المعلمين، الحوافز الاجتماعية، التدريب، الترميم، الطاقة الشمسية، المنصات الرقمية، وحتى البرامج الغذائية.

لكن النتائج بقيت محدودة، بل إن مؤشرات عدة أظهرت تراجعًا في جودة التعليم والإدارة التربوية. فالمخرجات التعليمية تدهورت، ونسب التسرب ارتفعت، والفاقد التعليمي تراكم، فيما ازدادت معاناة المعلمين والموظفين نتيجة انهيار أوضاعهم الاجتماعية.

وهذا يؤكد أن التمويل وحده لا يكفي إذا غابت الرؤية الاستراتيجية. فالإنفاق غير المرتبط بخطة إصلاح واضحة قد يتحول إلى عنصر إضافي في تكريس الأزمة بدل حلها. كما أن اعتماد الحكومات شبه الكامل على التمويل الخارجي جعل السياسات التربوية مرتبطة بشروط الجهات المانحة وأولوياتها أكثر من ارتباطها بالحاجات الوطنية الفعلية.

الحروب والطوارئ: التعليم خارج الأولويات

منذ اندلاع الحرب في تشرين/أوكتوبر 2023 وما تبعها من تصعيد على الأراضي اللبنانية، برزت هشاشة خطط الطوارئ الحكومية في التعامل مع القطاع التربوي. فقد جرى استخدام المدارس كمراكز إيواء للنازحين من دون توفير بدائل تعليمية كافية، ما أدى إلى تعطيل الدراسة في مناطق واسعة وحرمان آلاف التلامذة في المناطق الآمنة واللاجئين من حقهم في التعليم.

ورغم أن الحكومة وضعت خطط طوارئ بالتعاون مع عدد من الوزارات، فإن التمويل المخصص لها بقي محدودًا جدًا. واعتمدت عمليات الإغاثة بشكل أساسي على المجتمع المدني والمنظمات الدولية والمساعدات الخارجية، فيما امتنعت الدولة عن تخصيص موازنة استثنائية حقيقية لمواجهة آثار الحرب على التعليم.

وبعد انتهاء جولات التصعيد في حرب الاسناد الأولى، تبيّن أن عددًا من المدارس تضرر كليًا أو جزئيًا، لكن الدولة لم تتحرك لإعادة الإعمار من خلال تمويل وطني مباشر، بل انتظرت القروض والمساعدات الدولية. ويتكرر المشهد نفسه في الحرب الأخيرة التي اندلعت في شباط 2026: غياب التمويل الحكومي، الاعتماد على الخارج، وتأجيل الحلول إلى حين وصول الدعم الدولي، دون أن تبادر الحكومة إلى توظيف مواردها المالية أو البشرية للتخفيف من آثار الأزمة.

تغييب الموارد البشرية التربوية

لدى وزارة التربية ثاني أكبر مورد بشري وإداري مؤهل في لبنان، إذ تضم نحو 50 ألف من المعلمين والإداريين والموظفين. وكان يمكن لهذه الطاقات البشرية أن تؤدي دورًا أساسيًا خلال الأزمات، سواء في تنظيم التعليم داخل مراكز الإيواء وخارجه أو في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والعائلات وتنظيم عمليات اللجوء.

لكن خطط الطوارئ الرسمية اختزلت دور وزارة التربية في توفير الأبنية المدرسية فقط. ولم يُجرِ أي تنظيم فعلي للاستفادة من الطاقات البشرية الموجودة في القطاع التربوي، سواء في مجالات التعليم البديل، الأنشطة الاجتماعية، الإرشاد، الدعم النفسي، أو حتى المساهمة في إدارة شؤون النازحين.

فالمعلمون والمربون يمتلكون خبرات مهمة في التعامل مع الأطفال والمراهقين وذوي الاحتياجات الخاصة، والإرشاد الصحي وكان يمكن توظيف هذه القدرات ضمن خطة وطنية متكاملة للتخفيف من آثار النزوح والحرب. إلا أن الدولة فضّلت إبقاء معظم هذه الطاقات خارج أي دور فعلي، فيما جرى الاكتفاء بمحاولات متأخرة للتعليم عن بعد، رغم غياب البنية التحتية الرقمية الجاهزة.

أين تذهب الوفورات المالية؟

المفارقة أن فترات الحرب والتعطيل تؤدي أحيانًا إلى تحقيق وفر مالي داخل الإدارات العامة، ومنها وزارة التربية. فعندما تتوقف الدراسة أو يقل الحضور الوظيفي، تتراجع نفقات النقل والتشغيل وبعض المصاريف التشغيلية الأخرى. إلا أن هذه الوفورات لا تُحوَّل إلى صناديق طوارئ لدعم التعليم أو الإغاثة، بل تبقى ضمن الحسابات العامة لوزارة المالية.

كما أن الدولة لم تعتمد أي آلية مرنة تسمح بإعادة توجيه هذه الأموال نحو الأولويات الملحّة خلال الأزمات. ويعود ذلك جزئيًا إلى طبيعة النظام المالي اللبناني، حيث تبقى الموازنة جامدة بعد إقرارها، ويصعب تعديل بنودها أو فتح اعتمادات استثنائية من دون مسار تشريعي معقد.

وفي المقابل، لم تخصص الحكومة تمويلًا طارئاَ للتعليم الرقمي أو لتأمين مستلزمات التعليم عن بعد، رغم الحديث المتكرر عن التحول الرقمي. وحتى المشاريع التي أُعلن عنها منذ سنوات لتطوير منصات تعليمية شاملة بقيت متعثرة أو غير مكتملة، رغم الكلفة المرتفعة التي صُرفت عليها.

الحاجة إلى رؤية جديدة

تكشف الأزمات المتكررة منذ عام 2000 أن المشكلة الأساسية في لبنان لا تتعلق فقط بنقص التمويل، بل بغياب النظرة الاستراتيجية إلى التعليم بوصفه ركيزة للتنمية والاستقرار. فالدولة لم تتعامل مع المدرسة الرسمية باعتبارها مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، بل كعبء تشغيلي يخضع للتجاذبات السياسية والإدارية.

ومن دون تغيير هذه المقاربة، ستبقى كل المساعدات والقروض عاجزة عن إحداث تحول حقيقي. فالإصلاح التربوي يحتاج إلى خطة وطنية شاملة تربط التعليم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتؤسس لسياسات طوارئ واضحة تضمن استمرارية التعلم في حالات الحرب والكوارث.

كما يحتاج لبنان إلى إعادة النظر في طريقة إدارة موارده العامة، المالية والبشرية، بحيث يصبح بالإمكان تحويل الوفورات المالية الناتجة عن الأزمات إلى صناديق استثنائية لدعم القطاعات الأساسية، بدل بقائها مجمدة داخل النظام المالي التقليدي، كما تفعيل الدور الاجتماعي للمعلمين للمساهمة في حماية المجتمع خلال الأزمات.

وفي النهاية، لا يمكن حماية التعليم في بلد يعيش أزمات متكررة من دون إرادة سياسية تعتبر أن الاستثمار في الإنسان هو أساس أي مشروع إنقاذي. فالتعليم ليس خدمة ثانوية يمكن تعليقها عند كل أزمة، بل هو شرط أساسي لحماية المجتمع وإعادة بناء الدولة.

1 التعليم في ظل الأزمات: كيف تعيد الأزمات المتراكمة في لبنان تشكيل مهنة التعليم مركز الدراسات اللبنانية، حمود 2025

3 الفاقد التراكمي لأيام التدريس بين 2016 و 2025: تحديات وقف انهيار جودة التعليم في لبنان. مركز الدراسات اللبنانية 2024

4إعلان إنشيون التعليم بحلول عام 2030: نحو التعليم الجيّد المُنصف والشامل والتعلُّم مدى الحياة للجميعاليونسكو 2015. النقطة 14

5 الموازنات العامة للسنوات 2018 حتى 2026- موقع وزارة المالية

7 المرجع السابق

8 تطور الإلتحاق في المدارس والجامعات الرسمية والخاصة في لبنان بين 2011 و 2025- مركز الدراسات اللبنانية، 2024

 

*الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة أو مركز الدراسات اللبنانية، بل تمثل رأي صاحبها فقط