د. نسرين شاهين
في لحظات الأزمات العميقة، يُفترض أن تتحوّل الحكومات إلى اداة فعلية للتغيير، لا مجرد جهاز لإدارة الانهيار. وفي بلد مثل لبنان، حيث يعيش النظام التعليمي أزمة غير مسبوقة نتيجة الانهيار الاقتصادي والسياسي، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن تحقيق إصلاح حقيقي في التعليم دون رؤية تغييرية؟
هذا السؤال يطرح نفسه بقوة عند النظر إلى تجربة وزيرة التربية الحالية الدكتورة ريما كرامي، الأكاديمية التي جاءت إلى الوزارة من خلفية تربوية وبحثية في الجامعة الاميركية. فمن حيث المسار الأكاديمي، تبدو سيرتها مرتبطة بالبحث في قضايا التعليم والعدالة التربوية. ولكن لم يذكر عنها، حسب علمنا، مواقف مواجهة لا من خلال الكلمة ولا من خلال الممارسة.
التجربة العملية في الوزارة تطرح إشكالية مختلفة: هل تكفي الخلفية الأكاديمية لإحداث تغيير فعلي في نظام تعليمي مأزوم؟ أم أن التغيير يحتاج إلى ما هو أبعد من المعرفة النظرية؟ ومن هذا المنظور هل يكفي ان تكون الوزيرة محسوبة على فريق الرئيس نواف سلام لنفترض انها ستعمل من ضمن الخط الاصلاحي؟
لفهم هذه الإشكالية، يمكن العودة إلى فكر المربي البرازيلي باولو فريري، صاحب كتاب تعليم المقهورين، الذي طرح رؤية جذرية لدور التعليم في المجتمع. بالنسبة لفريري، لا يمكن للتعليم أن يكون محايدًا؛ فهو إما أداة لتحرير الناس من علاقات السيطرة، أو وسيلة لإعادة إنتاجها. لذلك، فإن المربي الحقيقي ليس مجرد خبير تقني في التربية، بل فاعل اجتماعي يمتلك قدرة على مواجهة البنى التي تنتج الظلم والتهميش.
انطلاقًا من هذه الفكرة، يصبح الإصلاح التربوي مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا بقدر ما هو مشروع تربوي. أي أن التغيير لا يحدث فقط عبر خطط أو سياسات تقنية، بل عبر إرادة واضحة لمواجهة الفساد والسلطة التي تعيد إنتاج الأزمة.
وعند النظر إلى التجربة الحالية في وزارة التربية، يبدو أن الفجوة بين الخطاب الإصلاحي والممارسة الفعلية لا تزال كبيرة. فمنذ وصول الوزيرة إلى موقعها، لم يظهر حتى الآن مسار واضح لمواجهة البنى العميقة للأزمة داخل الوزارة. لم تُفتح ملفات الفساد المتراكمة في القطاع، ولم تُسجَّل خطوات حاسمة تجاه محاسبة موظفين تحيط بهم شبهات، كما لم يُلاحظ تغيير جذري في بنية القرار داخل الوزارة.
بل على العكس، يبدو أن جزءًا من الإدارة الفعلية للوزارة ما زال يعتمد على شبكات ومستشارين ارتبطوا بوزارات سابقة أو بقوى سياسية نافذة. وهو ما يعكس استمرارية في آليات العمل التقليدية بدل كسرها. وهنا تحديدًا تظهر المفارقة بين الخطاب الإصلاحي وبين الواقع الإداري.
تتجلى هذه المفارقة أيضًا في العلاقة مع الأساتذة، خصوصًا الأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي، حيث يشكلون ٨٠% من التعليم الاساسي الرسمي. فبدل أن تتحول الوزارة إلى مساحة حوار حقيقي مع المعلمين باعتبارهم شركاء في العملية التربوية، برزت سياسات أقرب إلى الإقصاء والتهميش. لم يحصل الأساتذة على حقوق أساسية، حتى في مسائل تتعلق بالتعويضات أو انتظام الدفع. كما جرى في بعض الأحيان استبعاد الرابطة التي تمثلهم عن النقاشات التي تتعلق مباشرة بمصيرهم المهني.
هذا النمط من الإدارة يتناقض مع الرؤية التي طرحها فريري للتربية. فالتعليم، في فلسفته، يقوم على الحوار والمشاركة، وعلى الاعتراف بالفاعلين داخل العملية التعليمية لا التعامل معهم كمتلقين سلبيين للقرارات. عندما تتحول الإدارة التربوية إلى عملية فوقية، يصبح النظام التعليمي أقرب إلى ما سماه فريري “التعليم البنكي”، حيث تُتخذ القرارات من الأعلى ويُطلب من الآخرين فقط تنفيذها.
المشكلة هنا ليست في النوايا بالضرورة، بل في طبيعة المقاربة. فالإصلاح التقني وحده لا يكفي لإحداث تحول في نظام تعليمي مرتبط ببنية سياسية واقتصادية مأزومة. الإصلاح الحقيقي يتطلب قدرة على مواجهة مراكز النفوذ، وفتح ملفات الفساد، وبناء علاقة جديدة مع المعلمين باعتبارهم جزءًا من مشروع التغيير.
يمكن مقاربة العلاقة بين المعلمين والوزيرة، كما العلاقة بين المعلمين والتلاميذ من منظور علاقات السلطة في العملية التربوية. يجب أن تكون علاقة تفاعلية قائمة على الحوار والمشاركة. فالنموذج الذي يقدّمه المسؤول أو المعلم ينعكس مباشرة على الممارسة التربوية، لأن السلوك في التربية يُكتسب غالبًا بالمحاكاة. لذلك، إذا كانت العلاقة في أعلى الهرم التربوي قائمة على الفرض والإقصاء، فمن الصعب أن تتحول داخل الصفوف إلى علاقة ندية حوارية.
في هذا السياق يوضح باولو فريري مفهوم التعليم التلقيني والذي يسميه البنكي، حيث يتعامل المعلم مع المعرفة كأنها ملكٌ خاص يودعها في ذهن المتعلم، من دون فتح مجال للحوار أو لتنمية الحسّ النقدي. في المقابل، يدعو فريري إلى تعليم حواري يشارك فيه المتعلمون انطلاقا من مشكلاتهم المعاشة، في فهم الموضوعات وتحليلها، بما يمكّنهم من التفكير النقدي المشترك والمساهمة في حل المشكلات.
وإذا قاربنا العلاقة بين وزيرة التربية والأساتذة المتعاقدين مثلا، نلاحظ ممارسات تشبه إلى حد كبير تطبيقا لما يشبه منطق التعليم البنكي. فحين اعتُبر تصحيح أجور المدراء أولوية على حساب تصحيح أجور الأساتذة المتعاقدين، وحين جرى تغييب رابطتهم الشرعية المنتخبة عن اجتماعات حوارية مع أصحاب القرار – كما حدث مثلًا في اجتماع وزيرة التربية وروابط السلطة مع وزير المالية – بدا وكأن القضايا النقابية والأجور والحقوق شأنٌ خاص بالوزارة ولا علاقة للاساتذة المعنيين به. وبذلك غاب الحوار والمشاركة الفعلية في معالجة هذه القضايا التي هي في الاساس مشكلات الاساتذة، ليحلّ محلها منطق أحادي يفرض القرار من الأعلى إلى الأسفل.
وهنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن لمعلمٍ يجد نفسه داخل علاقة دونية مع السلطة التربوية وحول قضاياه، أن ينقل بدوره تعليمًا حواريًا إلى طلابه حول قضاياهم؟ وأي قوةٍ ذاتية يحتاجها كي لا يشعر بأنه مقهور كما يسميه فريري، فيتحوّل إلى موقع القاهر مع التلاميذ، فيعيد إنتاج المنطق القهري نفسه داخل الصفوف؟
إن استمرار هذه الحلقة يفرغ التعليم من هدفه الأساسي: أن يكون خبرة من أجل الحرية، كما يقول فرايري. فالتعليم الذي تُقيَّد فيه حرية المعلم لا يمكن أن ينتج متعلمًا حرّ التفكير، لأن جودة التعليم تبدأ من الاعتراف بحرية المعلم والمتعلم في الحوار والمشاركة وصنع القرار. ومن دون هذه الحرية، يبقى الحديث عن إصلاح تربوي أو تعليم نقدي مجرد شعار، فيما الواقع يعيد إنتاج التلقين ذاته داخل المدرسة وخارجها.
ومن هنا نتساءل هل المشكلة في شخص الوزيرة نفسها، أم في طبيعة الحكومة التي جاءت ضمنها؟ فالحكومة التي قُدِّمت بوصفها حكومة إصلاح وإنقاذ لم تولد من حراك اجتماعي تغييري، بل من توازنات النظام السياسي نفسه. وبالتالي، فإن سقف التغيير فيها قد يكون محدودًا منذ البداية. ولم يكن صدفة أن تحرص الوزيرة على عدم اغضاب روابط السلطة مقابل إهمال مطالب الرابطة المستقلة التي تمثل الأساتذة المتعاقدين وهم الفئة الأكثر هشاشة. اي انها راعت الفئات الأكثر نفوذا وارتباطاً بمراكز السلطة على حساب فئة المهمشين الذين لا ظهر لهم. مما يعني إعادة إنتاج العلاقات التربوية بما يخدم علاقات السلطة.
وإن كانت الوزيرة تسعى إلى تفادي التصادم مع أحزاب السلطة، فإن ذلك يضعف مصداقية دورها في حكومة قُدِّمت بوصفها إصلاحية، لأن الإصلاح يفترض مواجهة البنى السياسية التي تهيمن على مفاصل الوزارة. غير أن ما يظهر في الممارسة يتجاوز مجرد تجنّب المواجهة إلى مسايرة هذه القوى والتكيّف مع نفوذها، وهو ما يتبدّى في حالة الرضا الواضحة التي تبديها الأحزاب والأقطاب السياسية تجاه أدائها، وفي غياب أي توتر أو اعتراض فعلي بينها وبين الوزارة. وقد انعكس ذلك في تلبية مطالب بعض روابط السلطة والمدراء على حساب الأساتذة، وفي التغاضي عن كسر قرارات الوزارة المتعلقة بعدد أيام التدريس ومدة الحصة التعليمية، إضافة إلى تبنّي سياسات تربوية مثيرة للجدل مثل إعادة الاعتبار لخطة مناهج 1997 أو السماح لضباط أمنيين بالتعاقد للتدريس في الثانويات الرسمية.
غير أن الإشكالية الأعمق تتصل بطبيعة العلاقة مع هذه الأحزاب التي تمسك عمليًا بقبضة واسعة على التعليم في لبنان. فلكل منها شبكاتها من المدارس الخاصة، الحزبية والطائفية، التي تشكّل جزءًا أساسيًا من المشهد التربوي، كما نجحت في كثير من المناطق في توسيع نفوذها داخل المدارس الرسمية نفسها، إلى حدّ تحويل بعضها إلى ما يشبه «فيدراليات تعليمية» خاضعة لسلطات محلية حزبية. وعندما تختار وزارة التربية مسايرة هذه القوى بدل الحدّ من نفوذها، فهي عمليًا لا تكتفي بالتكيّف مع هذا الواقع، بل تكرّسه وتمنحه شرعية إضافية داخل النظام التعليمي. والمفارقة أن هذا الواقع قد يكون أخطر من حالة وزير حزبي صريح الانتماء، لأن مسايرة مختلف أقطاب السلطة تمنحهم جميعًا مساحة أوسع للتمدد داخل التعليم بدل أن تُحدّ من نفوذهم.
وفي ضوء فكر باولو فريري، لا يمكن للتعليم أن يكون مجالًا للتحرر إذا ظل خاضعًا لعلاقات السلطة التي تنتجه؛ فالتربية، كما يرى، إما أن تفكك علاقات الهيمنة أو تعيد إنتاجها. وعندما تُدار وزارة التربية ضمن توازنات القوى السياسية التي تهيمن على المدارس والروابط التعليمية، يصبح الإصلاح محكومًا بسقف هذه التوازنات، ويتحوّل التعليم إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة بدل أن يكون مساحة للتحرر منها.
وما ينطبق على الوزيرة، ينطبق على مستشاريها، ومثال على ذلك، مستشارها الاول لشؤون التعليم العالي الدكتور عدنان الامين الذي كتب سابقا حول رؤيته الاصلاحية لوزارة التربية خاصة الجامعة اللبنانية، وفي كتابه “قضايا الجامعة اللبنانية واصلاحها” انتقد الزبائنية التي عززت حشو الجامعة اللبنانية بالاساتذة لصالح موازين مصالح السلطة المهيمنة عليها لاعادة انتاجها، في حين بعد وصوله لموقع السلطة تمت معالجة ملف التفرغ بادارته مؤخرًا بعيدا عن المعايير التي كان يطالب بها فتم اختيار المتفرغين وفق معايير لا ترتقي لاي نهج اصلاحي عادل وأوله تفعيل دور مجلس الجامعة اللبنانية في مجال قرار التفرغ.
وفي قراءة للمشهدية الكاملة لسياسات الحكومة نلاحظ غياب رؤية اصلاحية اجتماعية اقتصادية في البيان الوزاري نفسه وتخبطا كبيرا في القرارات على هذا المستوى واخرها رفع قيمة الضرائب على المحروقات والزيادة على tva وما تلاها.
قد تكون تجربة وزارة التربية مثالًا واضحًا على الفرق بين الخطاب الإصلاحي والممارسة التقليدية. في ضوء فكر باولو فريري، يصبح السؤال الأهم: هل يمكن بناء تعليم تحرري في نظام سياسي لا يزال يعيد إنتاج علاقات السيطرة نفسها؟ وهل تستطيع وزيرة، مهما كانت خلفيتها الأكاديمية، أن تقود تغييرًا حقيقيًا من دون سند اجتماعي وحراك مجتمعي يفرض هذا التغيير؟
ربما تكمن الإجابة هنا: التعليم التغييري لا يُصنع داخل المكاتب فقط، بل يولد من علاقة حية بين المعرفة والواقع، بين الفكر والمجتمع، وبين المربي والنضال الاجتماعي. دون هذه العلاقة، قد تبقى أفضل الأفكار التربوية مجرد نظريات جميلة لا تجد طريقها إلى الممارسة. هذا فضلاً عن موقف الشخص الذي يتولى المسؤولية: هل يتجرأ على المواجهة ولو على حساب موقعه أم يفضّل المهادنة حفاظاً على هذا الموقع؟

