نعمه نعمه
شهد التعليم في لبنان بعد اتفاق الطائف (1989) تقلبات عدة نتيجة تداخل عوامل متعددة بين 1990 و2025 أدى إلى غياب الاستمرارية وسياسة تربوية مستدامة ، فكل وزير يضع خطته وغالباً يعرقل خطط سلفه. محاصصة الطائف عطلت مؤسسات وكيانات وقوانين وآليات الحوكمة وأنتجت تشريعات أدت إلى تعطيل النظام الأساسي للتعليم وفوضى في ملئ الشغور الوظيفي بالمتعاقدين والمكلفين والمنتدبين. كما ساهم غياب الحوكمة في تدنّي الأداء الإداري والتعليمي مما أدى إلى تعاظم النفعية في القطاعين الرسمي والخاص والمصلحية على حساب الخدمة العامة.
نطرح في هذه القراءة بعض من أثر كل ما خلفه الطائف على عمل المؤسسات والكيانات المرتبطة بالتعليم ومؤسساته وأثره على الإلتحاق والجودة، ودور الجهات المؤثرة على التعليم من أحزاب وطوائف ونقابات وإدارة وجهات مانحة.
السياق التاريخي
مساندة التمويل الخارجي في التسعينات دعمت التعليم الرسمي كما البنى التحتية المدرسية، لاحقاً أدى ضعف الإنفاق العام على التعليم من الخزينة كما المحاصصة إلى تدهور البنى التحتية المدرسية وحدّ من تحديث المناهج وتطبيقها كما جودة التعليم. فالمدارس الرسمية تفتقر للمقومات الأساسية خاصة في مناطق الأطراف شمالاً وبقاعاً بينما مناطق أخرى محظية أسيئ إدارتها وتشغيلها. قامت الدولة بالإستدانة لبناء وترميم وتجهيز العديد من المدارس خلال عقد بعد الطائف لتطوير البنى التحتية المدرسية والمناهج دون وضع خارطة مدرسية مكتملة تعدل بين المركز والأطراف والنمو الديموغرافي والكفاءات التشغيلية.
ظواهر الخلل بعد الطائف
التحولات العميقة في النظام التربوي الذي تأسس في الستينات من القرن الماضي أدت إلى نهوضه ثم صموده خلال الحرب الأهلية بعد الطائف بدأ تفكك بنيته تباعاَ وفقد تباعاً قدرته على أداء وظائفه الأساسية. فقد أسهم التطبيق المجتزأ للطائف في ترسيخ نظام المحاصصة الحزبية والطائفية في الإدارة التربوية والمركز التربوي والمدرسة الرسمية والخاصة وصولا إلى الهيئات التربوية والإدارية والنقابات حتى الوظائف البسيطة، حيث باتت التعيينات خاضعة له، مما همّش الكفاءات وعطّل المحاولات الإصلاحية خدمةً للمصالح الخاصة والحزبية. وترافق ذلك مع انهيار تدريجي للحوكمة التعليمية وتعطيل مؤسسات الرقابة الرسمية والمجالس التحكيمية التربوية إما بالشغور أو التعطيل.
في هذا السياق، تراجعت الدولة عن رسم سياسات تعليمية وعجزت عن تطبيق ما رسمته في مناهج 1997 كما تراجع دور المؤسسات الرقابية وتوقف العمل في دور المعلمين/ات وهزلت المشاركة الفعلية في عملية النهوض فنقابات المعلمين تم الاستيلاء عليها من قبل الأحزاب واقتصر عملها على إخضاع أندادهم من خلال حراكات مطلبية مرتبطة بأجندات سياسية ما عدا استثناءات مرحلية.
قرارات وقوانين دون دراسة
أدى وقف التوظيف في القطاع العام إلى تقلّص الملاك التعليمي الرسمي وتحويل الجهاز التربوي إلى كتلة ضخمة من المتعاقدين بغالبيتهم موالين لأحزابهم وطوائفهم إلا أنهم يفتقرون للاستقرار المهني والوظيفي والكفاءات التعليمة لا سيما الفئة التي دخلت عبر التحاصص.
لم تُبلور الحكومات المتعاقبة رؤية وطنية واضحة تحدد وظيفة التعليم ودوره الاجتماعي أو الاقتصادي والثقافي ولا خطة إصلاح بنيوي ما عدا محاولة مناهج 1997 – إعادة هيكلة قطاع التربية – التي عطلتها الكيدية السياسية. وبدل إصلاح المنظومة التعليمية وتفعيلها، اتخذت الحكومات قرارات اعتباطية قصيرة البصيرة مثل تقليص أيام التدريس أو المناقلات الوظيفية والتعينات الاستسابية وهي إجراءات افتقرت إلى أي دراسة للأثر التربوي والاجتماعي والاقتصادي. كما تعطّل تحديث مناهج 1997 نتيجة تدخلات سياسية وطائفية أدت إلى إقالة قسرية لأكثر من رئيس للمركز التربوي منذ الطائف وغياب مجلس الأخصائيين فيه، كما إفشال مشروع النهوض بقطاع التعليم المهني الرسمي في مرحلة لاحقة واعتماد توزيع المدراء على أساس المحاصصة ومصلحة الأحزاب.
قطاف العجز
تعاظم القطاع الخاص على حساب الرسمي الذي تزايد 550 مدرسة خاصة إضافية منذ الطائف، لا سيما بعد أن تحوّلت المنح والتقديمات المدرسية من الخزينة مصدر دعم للمدارس الخاصة المملوكة من الطوائف والسياسيين وكبار المتمولين توازي ما لا يقل عن 70% من موازنة وزارة التربية للتعليم العالي، بينما غابت الرقابة عن هذه المؤسسات التعليمية. بالمقابل، تدهورت البنية التحتية المدرسية الرسمية وتراجع مستوى الخدمات فيها، خصوصاً في المناطق المهمّشة مثل الشمال وعكار والبقاع، ما عمّق اللامساواة التعليمية والاجتماعية والطائفية وجعل التعليم الخاص يستقطب طالبي الجودة حتى لو كانت وهمية في الكثير من الأحيان.
دور الجهات المانحة
لعبت الجهات المانحة دوراً متسعاً في إدارة التعليم العام منذ عام 2011، فأنفقت مليارات الدولارات على برامج لا تخضع لرقابة مالية من قبل مؤسسات الدولة أو الجودة والمخرجات. فرضت الجهات المانحة أخيراً بالتعاون مع الوزارة السابقة أنظمة مالية موازية تتجاوز الأجهزة الرقابية الرسمية. القروض والمنح المخصصة للتربية تحولت إلى المصدر شبه الوحيد لمد الخزينة بالعملات الصعبة خلال أزمة 2019 مما عزز احتمالية الفساد. أضعف التمويل الخارجي السيادة على التربية الذي حدد أطر الدعم كما حجب التمويل عن مجالات بنيوية أخرى وتفصيلية مثل طباعة كتاب الجغرافيا لتضمنه فلسطين كحدود لبنان الجنوبية. وتدخلت منظمات دولية لفرض إطار عام لمنهج تعليمي “توافقي” غير واقعي، فأدخل التعليم في حلقة تبعية خارجية حيث لم تنظر الدولة إلى التعليم كمجال سيادي توفر له الإستدامة من التمويل العام بل كإنفاق غير مجدٍ، كما لم تضع خيارات وطنية لسياسة تربوية. وكانت كل مشاريع التطوير والتحديث والبنى التحتية مرهونة بتوفر التمويل الخارجي. كما سعت السلطات المتعاقبة لإبعاد الكفاءات عن أي عملية تطوير تجلّى ذلك في المناهج والخطط اللاحقة وفي قرارات عشوائية وظرفية أدت إلى تعطيل جوانب أخرى من النظام التعليمي الأساسي.
تعامل السلطة مع الأزمات
مع تفاقم الأزمات تعمّقت ثغرة جودة التعليم في الرسمي والخاص وارتفعت نسب التسرب والأطفال خارج المدرسة إلى مستويات عالية جداً، قدرتها اليونيسف[1] مؤخراً بنحو ثلث الأطفال في لبنان 80% منهم من غير اللبنانيين مما يعني أيضاً أن نحو 150 ألف طفل لبناني تحت 16 سنة هم خارج التعليم دون لحظ الآثار الاجتماعية. تراجعت جودة ومخرجات التعليم ومستوى كفاءة قسم كبير من المعلمين/ات وغيره من العوامل البنيوية والنزيف نتيجة تراجع الدخل للهيئات التعليمية، وتراجع مستوى الامتحانات الرسمية إلى الهزالة، وانخفض عدد الملتحقين بالجامعة اللبنانية بشكل لافت تجاوز 30% كذلك المعاهد المهنية والتقنية الرسمية[2].
الإدارة الفعلية لقطاع التعليم
بذلك، يمكن القول إن النظام التعليمي بعد الطائف تديره ثلاث قوى مؤثّرة: السلطة الموازية التي عطّلت الدولة، والخصخصة التي همّشت القطاع الرسمي، والتدخل الخارجي الذي أعاد تشكيل السياسات التربوية والمالية خارج المؤسسات الرسمية، لتكشف هشاشة أصحاب القرار وتدابيرهم وتدفع القطاع إلى مزيد من الانهيار. وهكذا يتبين أن التراجع لم يكن ظرفياً، بل مفتعلاً نتيجة سياسات قصيرة البصر ونفعية. مما يدفعنا للتساؤل حول خيارات الوزير/ة الإصلاحية في سياق نظام معطل وإمكانية الحد من التدهور بينما السلطة الموازية والمحاصصة لا تزال قائمة وتدفع التعليم إلى أسفل بإصرار.
الحد من تداعيات الأزمات أولوية
أول ما يجب النظر إليه هو المتعلم/ة. تلخص السيدة فيفيان عقيقي من منصة صفر[3] استنادا على تقرير اليونيسف مستقبل الأطفال في لبنان (2025)[4]: ” بدأت الأسر، تحت ضغط الفقر، إخراج أطفالها من المدرسة لإشراكهم في سوق العمل. 16% من الأسر اعترفت بأن أطفالها اضطروا للعمل للمساعدة في الدخل. وهذا الانقطاع لا يعني فقدان سنة دراسية فقط، بل انهيار مسار حياة كامل، (..) ففي حال بقاء الوضع على حاله، ستبقى نسبة الشباب الذين لا يتجاوز تحصيلهم المرحلة الابتدائية عند 11% (سيناريو للعام 2050)، وهو المستوى الحالي، أما نسبة الذين سيصلون إلى التعليم العالي فلن تتجاوز 37%.”
الخطر في مؤسساتنا التعليمية
تقرير اليونيسف التوصيفي لا يعرض المخاطر الاجتماعية والسياسية والثقافية، حيث المؤسسات التربوية الرسمية والخاصة لها ولاءات سياسية وهي مصدر قوة العمل في القطاعين الرسمي والخاص الخاضعين أيضا لولاءات متعددة تشترط االخضوع أو تكون إنتقائية. مما يعيدنا إلى جوهر الأزمة ما هو دور التعليم في لبنان وكيف تُظهر مخرجات تعزز النزاعات وتعطل تشكيل وعي مواطني وانتماء وطني وتعدد الولاءات.
غياب الإرادة السياسية
تعطيل وتشويه الأنظمة الرعائية والخدمية العامة هو مسار مفتعل هو الخط الأساسي الذي تسير عليه السلطات المتعاقبة منذ عقود، من نتائجه تآكل المنظومة التعليمية التي أسّست للعصر الذهبي في لبنان. تواطئ الدولة العميقة منع التعليم من لعب دوره التنموي أو الوطني والثقافي. ويظهر من تحليل المشهد أن الخروج من هذا المأزق يتطلب أولا إعادة النظر بمكانة التعليم في التنمية والنهوض الثقافي وإعادة بناء المنظومة التربوية على أسس الحوكمة، العدالة، الإنصاف والكفاءة، واستقلالية القرار التربوي عن المصالح الحزبية والطائفية والخارجية. فالتحول من فوضى النظام التعليمي إلى انتظام القطاع واستعادة دور التعليم كخدمة عامة وشاملة يحتاج إلى خطة تشبه إلى حد كبير مسارات العدالة الإنتقالية المرافقة للتحولات السياسية في الأنظمة والدول. مسار الإنتقال يعجز عن تحقيقه وزير منفردا بل يحتاج حكومة وقبل الحكومة يحتاج قراراً وإرادة سياسية لاستعادته.
المعلمون/ات صانعو الأمل
بالرغم من الأزمات وتدني الدخل كان المربون والمربيات يقاومون الإنهيار. هم ليسوا موظفين بل صناع الأمل فالمعلمين/ات هم فاعلون اجتماعيون لا موظفين، يحفظون توازن المجتمع من الانهيار الكامل، فما يعيشه المعلم/ة اليوم في لبنان لا ينسجم مع أي معيار اقتصادي مقبول (..) حيث العمل يستمر خارج منطق الأجر. يستمر لأن المربي/ة يرى في دوره قيمة تتجاوز المردود المادي؛ يرى نفسه حارسًا لمعنى الجماعة (..) هو مقاومة ثقافية ضد تحلّل المجتمع.[5]
طبعاً نتحدث عن الغالبية العظمى من المربين والمربيات خارج الرعايات الحزبية والطائفية وهم جماعة تربت على القيم التربوية التي اسسها النظام التربوي الأساسي وعلى مفهوم الخدمة العامة. في المقلب الآخر، يعتمد نهج المحاصصة ضرب هذه القيم بتحويل الفعل الاجتماعي للمربين/ات إلى خدمة خاصة لصالح جماعات أو ربحية قائمة على استغلال المربين/ات وتحقير دورهم وزرع شروخ بينهم من خلال تهميش دورهم في صناعة الأمل وتحويل دور المدرسة من الخدمة العامة إلى النفعية واخضاعهم للتبعية. استحواذ الأحزاب على النقابات والروابط هو آلية تعتمدها السلطات المتعاقبة لضمان استمرار نظام المحاصصة. بينما كانت هذه النقابات فاعل أساسي في مواجهة العنف في زمن الحرب والتغيير الاجتماعي والاقتصادي، ولا زال القطاع التعليمي، بالرغم من تسلل المحاصصة إليه، يستحوذ على كفاءات عالية في الإدارة والخدمة العامة والقيم الاجتماعية وقدرات هائلة للنهوض بالتعليم مجدداً لكنها مبعدة.
في الختام، تضع السلطة الموازية – الحاكم الفعلي للبنان- نهجها المصلحي فوق الخدمة العامة مما يعيق إنقاذ ما تبقى من قطاع التعليم الرسمي والخاص، يوسع الهوة الاجتماعية والطبقية والمعرفية بين فئات المجتمع، تسانده الجهات المانحة ماليا وتقنياً وتقدم دعماً موضعيا يتحول مادة لتعزيز السلطة الموزاية ونفوذها. والمؤلم أن الحكومات كلها منذ الطائف وحتى اليوم لاتجد لنفسها مخارج إلا بتثبيت المحاصصة ولو على حساب المبدأ الإصلاحي المستدام أو قهر النظام الأساسي استناداً لمبدأ ” فليأكل الجميع من حلوى الدولة”.
نحن فعلا بحاجة إلى تغيير العقلية لإنقاذ لبنان، ولا يمكن الفصل بين استعادة التعليم واستعادة الدولة من السلطة الموازية.
[1] جريد النهار. 24/1/2025 في لبنان… طفلٌ واحد من كلّ 3 أطفال خارج نظام التعليم! | النهار
[2] تطور الإلتاحاق في المدارس والمعاهد والجامعات الرسمية والخاصة في لبنان بين الأعوام 2011 و 2025، مركز الدراسات اللبنانية. 2025
[3] كيف يبدو مستقبل أطفال لبنان بعد عقدين؟. منصة صفر. فيفيان عقيقي، 5/12/2025.
[4] The Future of Lebanon’s Children (UNICEF، 2025).
[5]( بتصرف من مقالة) د. علا عيد- عكار أولا. 5/12/2025.

