ملاحظة: أُجريت المقابلة قبل الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2026
تأتي هذه المقابلة مع د.ريما كرامي، وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، في لحظة حرجة لنظام التعليم في البلاد، حيث باتت أزمة القطاع تعكس بشكل متزايد أزمة الدولة نفسها.
د. كرامي ليست سياسية محترفة، بل باحثة ميدانية سابقة و«ناشطة أكاديمية» كما تصف نفسها، انتقلت من دراسة المدارس إلى محاولة إصلاح النظام من داخله.
من داخل الوزارة، تصف ما تسميه «نظام اللانظام»: مؤسسات ضعيفة، تعيينات مسيّسة، اعتماد على المانحين، واتخاذ قرارات تحكمه الضغوط أكثر مما تحكمه القوانين أو السياسات.
وفي وقت تكافح فيه المدارس الرسمية للبقاء مفتوحة، ويعاني المعلمون من الإرهاق، وتتحمل العائلات تكاليف متزايدة، تكتسب هذه المقابلة أهمية لأنها تتجاوز حديث الإصلاح النظري. تقدّم كرامي رواية نادرة وصريحة عمّا يعنيه الحكم فعليًا من الداخل كأكاديمية وباحثة وما الذي يتطلبه الأمر لإعادة بناء الحد الأدنى من قدرة الدولة قبل أي إصلاح تعليمي ذي معنى.
من ناشطة أكاديمية إلى وزيرة
س: كباحثة سابقًا وصانعة سياسات الآن، ما الذي يبدو مختلفًا من الداخل؟
ج: هناك أمر واحد لم يتغيّر بالنسبة لي، وهو فهمي للمشكلات التي يواجهها التعليم. ما تغيّر هو مستوى التفاصيل التي أصبحت أراها من داخل الحكومة.
سأستخدم تشبيهًا هنا. الأمر أشبه بالنظر عبر مجهر ثم الحصول فجأة على عدسة أقوى بكثير. يمكنك أن ترى الأشياء بمزيد من التفاصيل والتركيز. ترى الخلية كاملة، لكنك ترى أيضًا جميع المكوّنات التي بداخلها.
ويرتبط ذلك جزئيًا بكوني لم أدخل العمل الحكومي كأكاديمية تقليدية. قبل أن أصبح وزيرة، كنت قد انتقلت بالفعل من دور الباحثة إلى ما أسمّيه «الباحثة-الناشطة». فمن خلال عملي مع المدارس، ثم لاحقًا عبر مبادرة «خّضة بيروت»، انتقلت من دراسة المشكلات إلى محاولة حلّها.
كان الهدف من «خّضة بيروت» وضع معارفنا ومهاراتنا البحثية في خدمة العمل والتغيير. جمعنا تربويين وعاملين في القطاع الصحي وباحثين من مجالات مختلفة. بالنسبة لي، كان قبول منصب الوزيرة امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار. لم أكن أتخلى عن البحث، بل كنت أحاول القيام بالشيء نفسه من موقع مختلف.
في الواقع، عزّز وجودي داخل الحكومة قناعتي بأن صناعة السياسات تحتاج إلى باحثين. تحتاج إلى أشخاص يسألون: أين الدليل؟ ماذا تخبرنا البيانات؟ ما الافتراضات التي ننطلق منها؟ تحتاج إلى القدرة على التحليل، وعلى التراجع خطوة إلى الوراء لفهم الصورة الأوسع، وعلى مقاربة المشكلات من دون افتراض أنك تمتلك الإجابات مسبقًا.
س: هل تغيّر تشخيصك بين الخارج والداخل؟
ج: لا. التشخيص بحدّ ذاته لم يتغيّر. ما تغيّر هو أن كثيرًا من الفرضيات التي كانت لديّ كباحثة تأكّدت.
دخلتُ الحكومة وأنا أعتقد أن الوزارة تفتقر إلى القدرات اللازمة لدعم الابتكار والإصلاح. وكنت أشتبه بأن بنية النظام نفسها تشكّل عائقًا. كما كنت أرى أن هناك نقاط ضعف جدية في المعرفة المؤسسية وفي القدرة على التنفيذ.
كانت هذه الأفكار مجرّد فرضيات عندما كنت خارج الحكومة. لكن بمجرد دخولي إليها، أصبح بإمكاني اختبارها. واتضح أن كثيرًا منها كان صحيحًا.
ما فاجأني لم يكن التشخيص نفسه، بل حجم المشكلة. لقد قلّلت من تقدير حجم التأثير السياسي وعمق الضعف البنيوي. وكان ذلك الاكتشاف الأهم بالنسبة لي.
لا توجد بيروقراطية. إنها ذهنية قبلية
س: كيف بدا ذلك عمليًا؟
ج: لا توجد بيروقراطية. كثيرون يفترضون أن التأخير يحدث بسبب البيروقراطية، لكن في حالات كثيرة لا توجد حتى بيروقراطية فاعلة يمكن إلقاء اللوم عليها.
هناك عدد قليل جدًا من الأشخاص الذين يحملون النظام فعليًا على أكتافهم. وإلى جانبهم أشخاص استنزفهم النظام إلى درجة جعلتهم شديدي الدفاعية ومنعدمي الثقة بكل ما يحيط بهم.
للمرة الأولى في حياتي، تعلّمت كيف أعمل من دون ثقة. عادةً ما أعمل على بناء الثقة، لكن هنا إذا انتظرتَ الثقة قبل أن تتحرّك، ستجدين نفسك مشلولة وغير قادرة على فعل أي شيء.
المشكلة الأخرى هي غياب التفكير المؤسِّس. عندما أسأل: «كيف نقوم بهذا الأمر؟ ماذا يقول القانون؟» وهي الطريقة التي تدرّبتُ من خلالها على التفكير في السياسات. يكون الجواب غالبًا: «ماذا تريدين أن تفعلي؟»
وهذا بحد ذاته كاشف. فالقرارات كثيرًا ما تتشكّل وفقًا للأفراد، لا وفقًا للإجراءات أو القواعد أو المسؤوليات المحددة بوضوح.
كما أن بعض الأشخاص ينزعجون إذا لم تتم دعوتهم إلى اجتماعات لا تمت بصلة إلى مسؤولياتهم. لا توجد مهنية حقيقية، ولا توصيفات واضحة للوظائف، ولا إحساس فعلي بالحدود المؤسسية. إنها، في كثير من النواحي، عقلية عشائرية أكثر منها عقلية مؤسساتية.
س: نسمع دائمًا عبارة “لم يسمحوا لنا”. كيف تفهمين التدخل السياسي من موقعك؟
ج: كانت هذه لحظة الإدراك الكبرى بالنسبة لي. لم أكن مدركة لشدة الأمر. كان لغزًا – ماذا يعني التدخل السياسي؟ وما نتائج هذه التدخلات؟
الطابق الخامس عشر أشبه بسحابة يشغلها هؤلاء الأشخاص. أي شخص من الأسفل يحصل على ثقة جزئية، يضغط على الوزير الجالس هناك للحصول على ما يريد. نعم، كان هناك وزراء إصلاحيون، لكن لا أعرف عددهم. بعضهم جاء بفريقه الخاص.
على سبيل المثال، جئت مستشارة عندما كان الوزير حسن منيمنة في المنصب. كانت زوجته أيضًا متخصصة في التعليم. وكان هناك تمويل من البنك الدولي وفريق كبير مكرّس للعمل. في تلك الفترة القصيرة تحقق الكثير – الكثير جدًا. نجح الأمر لأن هناك فريقًا.
إعادة بناء المؤسسات: القانون قبل «المجتمع»
س: كيف يمكن كسر هذه الحلقة وإعادة بناء المؤسسات؟
ج: كباحثة دخلت هذا المجال، شعرت أن كل شيء سبق أن تعلمته.
كنت مقتنعة أن النموذج الإداري التعليمي يقوم على «المجتمع» النقاش، غياب الهرميات، المرونة، المنظمات المتكيفة، والسياسات المتكيفة. هذا غير صحيح. الخطوة الأولى هي الالتزام بالقانون، حتى لو لم يكن يعمل جيدًا.
عندما اتخذت قرار الامتحانات مثلًا، كان علينا المضي بها رغم علمي بأنها بلا جدوى إلى حد كبير. المهم كان استعادة المفهوم: الامتحانات الرسمية ليست لإرضاء كل ولي أمر أو طالب. إنها موجودة لأن الوزارة يجب أن تتخذ قرارات. ولا ينبغي اتخاذ القرارات عبر مضايقة الوزراء أو الضغط عليهم بأسماء نافذة.
الطريقة الثانية: لنجلس مع القواعد. ما هي؟ ولنعد إليها ونلتزم بها، مهما كانت ناقصة.
استعادة سلطة الدولة — وهو أمر يتحدث عنه الجميع، لكن فقط فيما يتعلق بالسلاح؛ أما في قطاع التربية فهو هامشي.
س: هل هذا يتعلق بالابتعاد عن الشخصنة واستعادة السلطة؟
ج: باستعادة سلطة الدولة, وهو أمر يتحدث عنه الجميع، لكن فقط فيما يتعلق بالسلاح؛ أما هذا فهامشي. أؤمن بشدة أن قوة الدولة تكمن في المسؤوليات التي يفترض بالحكومة تحمّلها. نحن نعيش في هذا البلد كما لو أننا بلا دولة.
س: هل يمكن للإصلاح أن يصمد بعد انتهاء الولاية؟
ج: يجب أن نقتنع بأن الأمر ليس مهمة شخص واحد. أسمع دائمًا «سنغادر»، لكن ماذا بعد؟ إذا أدرك البعض أن ما تحقق خلال ولايتنا – رغم كل المحاولات – كان يتحرك على الأقل في الاتجاه الصحيح، فسيؤمن الناس في الخارج بضرورة استكماله.
هذا ما تفعله المجتمعات الديمقراطية. درست سياسات التعليم في الولايات المتحدة: عندما تنتهي الولاية، يواصل الناس العمل عبر البحث والضغط والتمويل. ثم تأتي الحكومة التالية وتكمل من حيث توقف السابقون. ليس مثاليًا، بالطبع.
س: الجميع يلوم غياب المؤسسات. هل يمكن أصلًا إرساء مؤسسية في الوزارة؟
ج: المدير العام ومن هم دونه لا يعرقلون عمدًا؛ هم ببساطة لا يجرؤون على التصرف بشكل مختلف.
ما تمّت مأسسته فعليًا هو «نظام اللانظام». و90٪ من الموظفين معيّنون سياسيًا. المقاومة التي أواجهها الآن تأتي من مجموعة من ما يسمى «الدولة العميقة».
س: أبقيتِ كثيرًا من الموظفين المرتبطين سياسيًا رغم عدم كفاءتهم.
ج: بالطبع! لأنه لم تكن هناك بدائل. أحتاج فرق تفتيش وبيانات. الجميع يتكلم، لكن من يقدم أدلة؟ بل على العكس، يحمون بعضهم. لو كنت أريد حقاً أن أكون عنيدة، لكان بإمكاني اتخاذ إجراء ما، لكن ذلك لم يكن ليُعتبر تصرفاً مسؤولاً.
استغنيت عن بعض الموظفين، وأتعرض لهجوم بسبب ذلك. الأمر مرتبط بدائرة الامتحانات، وهي الآن في أيدٍ جديدة — أشخاص من داخل الوزارة لكنهم مؤهلون. أخذت توصيات، وأجريت مقابلات، وأعتمد عليهم للتصرف كموظفين مدنيين.
المانحون، «الرؤية»، وأساسيات الحوكمة
س: ما الذي يمكنك فعليًا القيام به، بشكل ملموس، داخل وزارة كهذه؟
ج: نحتاج إلى وقت. ما أحاول القيام به هو البدء من المساحات التي يجب أن تتدخل فيها الوزارة وتتحرك. أول مجال عملت عليه وبدأت أتلقى ملاحظات حول أثره ، هو العلاقة بين المانحين والوزارة، لأنه بهذه الدرجة من الأهمية.
طالما أن حكومتك لا تستطيع دفع قرش واحد نحو مشاريعك التنموية، فهكذا يتحكمون بمستقبلك. في الوقت الحالي، هم يتحكمون بحاضرك وبمستقبلك معًا. يركزون على الاستجابة الطارئة، وإذا ظهرت نافذة لشيء آخر, أو ما يسمونه مؤخرًا «تقوية النظام» , فإن المال لا يزال يأتي منهم.
يقولون إن الوزارة تريد أن تتحرك، لكنني اكتشفت أن شيئًا لم يكن يُنفذ فعليًا. اعترفت بالخطة الاستراتيجية وبالأولويات، وأخبرتهم أنني أريد إضافة رؤية عمّا يجب أن تبدو عليه المؤسسة التعليمية المثالية. وقد فعلت ذلك. وداخل هذه الرؤية توجد مجالات محددة. لذلك عندما يأتون لدعمنا، سنوجّه تمويلهم نحو هذه المجالات, حتى لو لم يتمكنوا من تمويلها كلها. ليس دورهم تحقيق رؤيتي المثالية؛ هذه مسؤوليتي أنا. وكان للرؤية أثر كبير. قبل ذلك، لم أكن أفهم حقًا كيف تسير الأمور هنا. خلفيتي الأكاديمية ساعدتني.
س: هل تقبّل المانحون ذلك؟
ج: نعم، إلى حد كبير. لكن إلى حد معيّن فقط. في البداية ظنوا أن الأمر استعراضي، لأنهم يميلون إلى ذلك ويركزون على العلاقات العامة. بعد أن نفذت هذا النهج، شرحت لهم أن التمويل كان قد خُصص بالفعل، وأنني انضممت في منتصف الدورة. عرضت عليهم ما أنجزته وما ينبغي أن يمولوه لي، التقييم الوطني، والحاجة الملحّة للقيادة التي لم تكن مدرجة في الخطة الاستراتيجية.
أنا أوثّق كل شيء. عندما تسلمت هذا المنصب لأول مرة، أُعطيت تقريرًا مكتوبًا بخط اليد من صفحة واحدة. لم يكن هناك شيء على أجهزة الكمبيوتر.
لم أستطع إعادة صياغة كل شيء بسبب حجم الموارد التي كانت تتدفق. على سبيل المثال، كان الألمان يعملون على الحوكمة، ولم يكن أحد يعرف حقًا عمّا كانوا يتحدثون.
س: هل يمكن مأسسة هذا النهج للوزراء القادمين؟
ج: إذا كان الوزير الذي سيخلفني ذا تفكير رجعي، فسيكون لذلك أثر. أما إذا حافظت الوزارة التالية على 80٪ على الأقل من منجزات الإصلاح التي حققتها وزارتنا، فأنا واثقة أنهم سيبنون على ما هو موجود بالفعل.
وذلك بسبب الطريقة التي أعمل بها، أنا أوثّق كل شيء. عندما تسلمت هذا المنصب لأول مرة، أُعطيت تقريرًا مكتوبًا بخط اليد من صفحة واحدة. لم يكن هناك شيء على أجهزة الكمبيوتر.
أحد الأمور التي فعلتها هو فتح خط مباشر ومأسسته: مركز اتصال على مكتب الوزير. يمكن لأي شخص الاتصال به، طلاب، تربويون، موظفون، للتعبير عن شكاواهم. أتمتُّ النظام. كل الشكاوى التي تُسجل خلال ولايتي يتم توثيقها. يقوم أحد الموظفين بتحليل الأنماط. ومن هناك تعلمت ما هي القضايا الأساسية.
في الوقت الحالي، لا يمكننا إجراء تغييرات استراتيجية كبرى لأن هناك الكثير من التسريبات، وعليك سدّها جميعًا داخل نظام لا يعمل بشكل سليم. على سبيل المثال، فيما يتعلق بمعادلات الشهادات، أعمل على تدخلات قصيرة المدى بالتوازي مع خطة طويلة المدى.
س: كيف يبدو «المدى الطويل» في ظل هذا الاضطراب؟
ج: عملت على مسودة قانون، وإذا لم أتمكن من إقراره خلال ولايتي وكانوا يريدونه، فسيمررونه لاحقًا، تمامًا كما فعلت مع قانون أقدم من الوزير السابق حسن منيمنة. كان ذلك القانون يتعلق بمؤهلات من يدخلون مهنة التعليم. شكّلنا لجنة، قدمنا توصيات، حسّناه، والآن تم إقراره. هذا هو العمل طويل المدى.
نعمل أيضًا على منصات شراكة لأننا لا نعرف أي منظمات غير حكومية تعمل مع الوزارة. تظهر منظمات في المدارس، وإذا ارتكبت أخطاء تقول وسائل الإعلام إنها كانت مخوّلة بالدخول وبينما نحن لا نعرف أصلًا من يعمل معنا. لا توجد آلية.
قاعدة البيانات والبرمجيات ضمن المشروع. كانت هناك تراخيص تقنية معلومات على وشك الانتهاء، ولم يخبرني أحد. كانت كل البيانات ستختفي مع انتهاء الترخيص.
صنّفت مركز الاتصال وربطته بقاعدة بيانات. وفي مجال تكنولوجيا المعلومات، نظمت الوحدة وسنضع شروطًا مرجعية. أريد دمجها في النظام الداخلي. تقنيًا يتطلب هذا قانونًا، لكنني أعمل حاليًا من دون قانون.
تعلّمنا نظرية التغيير أن نكون حذرين جدًا بشأن موضع تدخلنا في النظام. ففي بعض المجالات، يولّد التدخل أقصى درجات المقاومة، وهذا أمر عكسي.
نحاول أيضًا إيجاد منصة لقسم المالية. معظم التمويل وصناع القرار الأساسيين يجلسون في قمة المشروع، وأي شخص يريد الوصول يستخدم شبكاته، علاقاته.
عندما يتعلق الأمر بترميم المدارس، وهو المجال الأكثر تمويلًا، هناك مدارس رُممت عشرين مرة، بينما أخرى لا تملك حتى سقفًا. وبعض المدارس التي رُممت عشرين مرة تضم نحو عشرين طالبًا فقط، بينما المدارس بلا سقف تضم ألف طالب.
ومع ازدياد وصولي إلى قاعدة البيانات هذه، أصبحت جميع القرارات تُتخذ بناءً على معايير أحددها أنا للمشروع. أضع معايير للأولوية ونعمل وفقها. بدأت أُدخل مزايا تستند إلى مبدأ أنه لكي تكون منصفًا، عليك أن تعطي أكثر. هناك مناطق كاملة لم يُنجز فيها أي شيء على الإطلاق.
س: ماذا عن مقاربتك للقطاع الخاص؟
ج: لأننا لا نستطيع معالجة الامتيازات التي تتمتع بها هذه المدارس ضمن نظامنا السياسي، فمن المستحيل تعديل القوانين وإحداث تغييرات هيكلية، لذلك مقاربتي هي تفعيل ضمان الجودة.
تعلّمنا نظرية التغيير أن نكون حذرين جدًا بشأن موضع تدخلنا في النظام. ففي بعض المجالات، يولّد التدخل أقصى درجات المقاومة، وهذا أمر عكسي. يجب أن تضرب النظام في نقطة استراتيجية. أعتقد أن الإصرار على ضمان الجودة في التعليم العالي أولوية. هناك لجنة تعمل حاليًا على وضع معايير لضمان الجودة في الجامعات الخاصة — وهم يضعون اللمسات الأخيرة عليها.
حدود الدور
س: ما حجم الدعم الذي تتلقينه من رئيس الحكومة؟
ج: لدي دعم كبير من رئيس الوزراء نواف سلام، لكنه يخوض المعركة نفسها التي أخوضها. هو أيضًا جاء من خارج النظام. نظيف، قانوني، حسن النية ويحاول التنقل في أرضية لا تُصدَّق.
ادعموا النجاحات الصغيرة. هذا ما نحتاج إليه. هذا ما يسمح لنا بالحفاظ على موطئ قدم في هذه المساحات. ربما سأكون شهيدة لهذه المحاولة، لكن إن لم أثبت شيئًا فسأثبت فقط أنني لا أملك غطاءً سياسيًا. دعمي الوحيد هو رئيس الوزراء نواف سلام. ليس لدي غطاء طائفي.
لكن هذا لا يزال غير كافٍ. بالطبع غير كافٍ. لأنك لا تملك مؤسسات، أو أنظمة، أو قوانين.
س: هل من الممكن تعزيز التفتيش وبناء القدرات «من الأسفل»؟
ج: نعم، بالتأكيد، يمكنني وضع معايير. قلت لهم: «لن أقبل بذلك ما لم أقتنع». لا يوجد حاليًا قانون يُلزمُني بالتثبيت الآن.
لا أريد تثبيت الجميع. أريد تثبيت من يستحق. عيّنت الآن مديرًا للامتحانات. وهناك ما يسمى مديرية التخطيط، عيّنت فيها موظفًا مدنيًا. وعيّنت شخصًا تحت المدير العام، وهم موظفون مدنيون.
يمكننا أن نُحدث فرقًا كبيرًا. إذا لم يشعروا بالتهديد.
ما أقوم به الآن هو الحوكمة. في وزاراتنا لا يوجد شيء اسمه وحدة تخطيط استراتيجي. أنا الآن أبني حوكمة وحدة تخطيط استراتيجي اعتمادًا على خبرتي مع مستشاريّ. آمل أن يصبح بعضهم موظفين مدنيين. من دونهم لن ينجح الأمر، بالنظر إلى هيكلية الوزارة. المرحلة القادمة تتطلب تغييرًا تحوليًا، لا مجرد صيانة.
هذه تغييرات هيكلية. نعم، وأنا أقوم بها. لكنها غير مرئية؛ كيف تشرح لهم إلى أين تتجه؟
سننشئ وحدة تُسمى «وحدة التخطيط الاستراتيجي» داخل تكنولوجيا المعلومات المركزية. يجب أن تكون مدمجة هناك. وسيكون فيها موظفون مدنيون. الوزير يأتي بفريقه، وهذا الفريق يعين فورًا مستشارين في ذلك المستوى.
نعمل على احتياجات التوظيف، الموارد البشرية. ونعمل على تدريب المديرين. إذا أردتم مساعدتي، اذهبوا إلى المركز التربوي، الذي لا يملك شيئًا حاليًا. هناك شواغر، وليست تكليفات مؤقتة.
س: هل أنت متفائلة بإمكانية استمرار ذلك بعد ولايتك؟
ج: يعتمد الأمر على ما إذا كان الوزير الذي سيخلفني سيقبل أن أكون مستشارته، مجانًا، لمدة ستة أشهر، وأن يمنحني فائدة الشك. يمكننا أن نُحدث فرقًا كبيرًا. إذا لم يشعروا بالتهديد. ماذا يمكنني أن أفعل أكثر من ذلك؟
*الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة أو مركز الدراسات اللبنانية، بل تمثل رأي صاحبها فقط

