كيف تُعيد الحرب إنتاج اللامساواة في لبنان 

في الوقت الذي لا تزال فيه آلة الحرب الإسرائيلية تواصل قتل المدنيين، وتدمير البيوت والبنى التحتية، واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، لا تقتصر آثار الحرب على الخسائر البشرية والمادية فحسب، بل تمتد لتطال أسس العيش المشترك، والثقة الاجتماعية، وإمكانات بناء الدولة ذاتها. فالحروب لا تُقاس فقط بعدد الضحايا وحجم الدمار، بل أيضاً بقدرتها على إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والبنية الديمغوغرافية، وتعميق التفاوت، وإعادة تعريف من يملك الحق في الحماية والموارد والازدهار وفرص اكبر في مستقبل افضل وذلك يتوقف بشكل كبير على كيفية إدارة الدولة للتحديات في ظل الحرب. 

وفي خضم هذا المشهد، تبرز قضية التعليم بوصفها واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً وخطورةً على مستقبل البلاد وحاضرها، ليس فقط لأن الحرب عطّلت حق مئات آلاف الأطفال والشباب في التعلّم، بل لأن طريقة التعامل مع التعليم خلال الأزمات تكشف طبيعة الخيارات السياسية والأخلاقية التي تحكم المجتمع والدولة. فالتحدي اليوم لا يكمن فقط في ضمان استمرارية التعليم أو حماية العام الدراسي من الانهيار (بغض النظر عن تعريفنا بمعايير العام الدراسي الناجح او المنهار)، بل في كيفية تحقيق ذلك من دون تحويل التعليم إلى أداة إضافية لإعادة إنتاج اللامساواة والانقسام.  

تعريف موجز للعدالة في التعليم 

العدالة في التعليم مفهوم متشعّب تتقاطع فيه مقاربات متعددة: فبينما تنصبّ المقاربة الليبرالية على تكافؤ الفرص – أي إزالة العوائق الرسمية أمام الوصول إلى التعليم – تذهب مقاربة الإنصاف أبعد من ذلك لتطالب بإعادة  توزيع للموارد لصالح الأكثر حرماناً، تعويضاً عما أنقصه المنشأ الاجتماعي. وتُضيف مقاربة القدرات بُعداً آخر: لا يكفي توفير التعليم، بل يجب أن يُمكّن الفرد فعلاً من أن يعيش حياةً يختارها بحرية وكرامة. في المقابل، تكشف المقاربات النقدية – Sen, 1999؛ Nussbaum, 2011). في المقابل، تكشف المقاربات النقدية — من صامويل بولز وهربرت جينتس، المنظّرَين الاقتصاديَّين الأمريكيَّين، (Bowles & Gintis, 1976) إلى بيير بورديو، عالم الاجتماع الفرنسي (Bourdieu & Passeron, 1990)  – أن المدرسة كثيراً ما تُعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي تحت غطاء المنهاج الرسمي، إذ تُحوّل الامتياز الطبقي إلى جدارة فردية والحرمان إلى قصور شخصي. وما يجمع هذه المقاربات رغم تباينها هو إقرارها بأن التعليم لا يمكن أن يكون عادلاً في مجتمع غير عادل – وأن العدالة التعليمية الحقيقية تستلزم بالضرورة معالجة البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تُغذّي اللامساواة خارج أسوار المدرسة. 

تاريخ اللاعدالة في التعليم في لبنان 

تاريخ اللاعدالة في التعليم في لبنان لا يبدأ بالانهيار الاقتصادي ولا بالحرب الأهلية أو الحرب الاسرائيلية، بل يمتد إلى اللحظة التأسيسية لتشكّل الكيان اللبناني ذاته.  

اظهر أسامة مقدسي في كتابه “ثقافة الطائفية “ كيف وظّف الاستعمار الأوروبي التعليمَ أداةً لترسيخ وجوده من خلال توزيع الامتيازات التعليمية على أسس طائفية متعمَّدة. ففي غياب أي اهتمام عثماني بتعليم السكان، احتكرت الإرساليات توزيع المعرفة الحديثة طائفياً ووظفتها لتمكينه من السيطرة والاستعمار. هذا التفاوت المقصود في الفرص كان الآلية الأساسية لبناء هويات مُؤدلَجة تخدم الاستعمار. وهنا يلتقي مقدسي مع مهدي عامل في عمق الأطروحة: ما رصده مقدسي في القرن التاسع عشر هو اللحظة التأسيسية لما حلّله عامل قبل أكثر من خمسة عقود، حين كان يُدرّس الفلسفة في ثانوية صيدا الرسمية، أن النظام التعليمي في لبنان لم يُبنَ لتحقيق العدالة، بل لحماية امتيازات الفئات المهيمنة وإعادة إنتاج النظام الطائفي-الطبقي القائم . 

من هذا المنطلق، لم يكن ضعف التعليم الرسمي إخفاقاً إدارياً، بل كان وظيفةً مقصودة: الدولة الطائفية لا مصلحة بنيوية لها في بناء منظومة تعليمية موحّدة ترفع الوعي الطبقي وتُزيل الفوارق بين المناطق والطوائف، لأن مثل هذه المنظومة تُهدّد القاعدة التي يقوم عليها نظامها وتتضمن حاجتين. الأولى: الحاجة إلى الزعيم الطائفي وسيطاً للوصول إلى الخدمات والحقوق من جهة. والحاجة الثانية هي وضمان حماية مصالح الطبقة الحاكمة والتي هي بذاتها الطبقة الثرية التي تتضمن زعماء الطوائف.  وبحكم كون الكثير من المدارس الخاصة اما اشبه المجانية او غير المجانية اما مملوكة من الطوائف ، يوجب حماية القطاع الخاص الذي هو شريك الفئة الحاكمة. 

وخلال نشوء دولة لبنان كان هناك محاولات ناجحة في الستينيات والسبعينات من القرن الماضي نحو تحقيق العدالة في التعليم لمختلف فئات اللبنانيين. تُظهر البيانات المتاحة أن التعليم الرسمي في لبنان عرف توسعاً استثنائياً في حقبة الاستقلال، إذ ارتفع عدد الطلاب في المدارس الرسمية من 276,704 إلى 732,681 بين عامَي 1959 و1971، أي بنسبة 165%، وبلغت ميزانية التعليم ذروتها عام 1977 بنسبة 22% من الناتج المحلي الإجمالي (Farha, 2012). غير أن هذا التوسع لم يُفضِ قط إلى هيمنة القطاع الرسمي على الالتحاق الفعلي، إذ حافظت المدارس الخاصة طوال تلك الحقبة على استيعاب غالبية الطلاب. وأعلى نسبة موثّقة بدقة للالتحاق بالمدارس الرسمية تعود إلى عام 2003–2004 بنسبة 37.9% وفق نشرات CRDP الإحصائية، فيما تُشير بيانات Education Above All إلى 41.3% في عام 1979–1980. ومنذ ذلك الحين، انحدرت النسبة انحداراً متواصلاً وصلت معه إلى 25.6% في 2023–2024 – أدنى مستوى مسجّل – باستثناء ارتفاع مؤقت إلى 36.5% في 2020–2021 حين اضطرت أسر كثيرة إلى نقل أبنائها من المدارس الخاصة إلى الرسمية تحت وطأة الانهيار الاقتصادي . CRDP, 2024). 

 

هكذا تحوّل النظام التعليمي في لبنان إلى غطاء سياسي لبنية طبقية عميقة

 

وربما تكمن الخطورة الحقيقية ليس فقط في حجم نمو القطاع التربوي الخاص على حساب العام بل في أننا توقفنا عن الحديث كثيرا عن العدالة. فآخر دراسة حول أثر الخلفية الاجتماعية والاقتصادية على التعليم للمركز التربوي، أجريت في أوائل السبعينيات وأجراها خليل أبو رجيلي (1975) . وقد خلصت تلك الدراسة مبكراً إلى أن النظام التربوي اللبناني يمارس مساواة شكلية فقط، فيما يحوّل الامتياز الطبقي إلى “موهبة”، والحرمان الاجتماعي إلى “ضعف” أو “فشل فردي”. أي أن المدرسة، بدلاً من أن تعالج التفاوت، تعيد إنتاجه وتمنحه شرعية أخلاقية وهو بالضبط ما حذّر منه مهدي عامل حين رأى في المنظومة التعليمية جهازاً أيديولوجياً يُعيد إنتاج النظام الطبقي ويُضفي عليه هالة من الحتمية . وفي اتفاق الطائف١٩٨٩) كُرّس هذا الواقع، فلم تُذكر العدالة إلا مرتين لا علاقة لهما بالتربية والتعليم. ولكن عندما تناول الطائف موضوع التربية فقد كرس المعادلة التالية: “حماية التعليم الخاص … وإصلاح التعليم الرسمي”. ومنذ ذلك الحين، جرى التعامل مع المدرسة الرسمية بوصفها قطاعاً يجب إدارته، فيما يتوجب حماية التعليم الخاص.  وهنا نتسأل ممن يجب حماية هذا القطاع ولماذا يجب حمايته وخاصة بحكم ان غالبية هذه المدارس تابعة للطوائف او جمعياتها او سياسيها؟  

هكذا تحوّل النظام التعليمي في لبنان إلى غطاء سياسي لبنية طبقية عميقة: من استطاع الدفع التحق بالقطاع الخاص – بتفاوت مستوياته وأكلافه – وضمن حظوظاً أفضل في الحراك الاجتماعي، ومن عجز بقي في القطاع الرسمي الذي يعاني أكثر ما يعاني في المراحل الابتدائية؛ إذ تتراكم فيها نسب الرسوب والتسرب، ويخسر الأطفال في سنواتهم التأسيسية الأولى الفرص التي يحظى بها أقرانهم في الخاص ويصعب تعويضها لاحقاً. ومنذ البداية لا تتكافأ نقطة الانطلاق، فيتحوّل الفارق الاجتماعي بين الأسرتين إلى فارق تعليمي، ثم إلى فارق في المستقبل. كأن التعليم صُمِّم ليُرسّخ ما وُجد لا ليُغيّره.  

لم يعد التعليم حقاً عاماً، بل استثماراً وجودياً باهظاً تخوضه العائلات وحيدةً حتى باتت تُنفق ما يقارب ثلث دخلها عليه. في حين تستمر الدولة نفسها في تمويل القطاع الخاص بشكل غير مباشر عبر منح التعليم للموظفين، وهي منح ترتفع قيمتها كلما ارتفعت الرتبة الوظيفية، بما يعزز إعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية نفسها. وتنفق الدولة على تمويل القطاع الخاص عبر منح الموظفين ما يعادل حاليا ٧٠٪ مما تنفقه على  القطاع التعليم الحكومي (نعمة ٢٠٢٣). وفي المقابل، يقف ما يقارب ٣٠٪ من الأطفال اليوم على حافة التسرب أو خارج المدرسة تماماً CAS & UNICEF (2025)، فيما يُترك الأطفال ذوو الإعاقة والطلاب اللاجئون خارج السياسات والنقاشات التربوية بصورة شبه كاملة، وكأنهم غير موجودين أصلاً في تصور الدولة للتعليم والمواطنةوثم جاء العدوان الإسرائيلي وأضاف تحديات أخرى لمفهوم العدالة في التعليم 

عدالة التعليم في ظل الحرب 

وتزداد خطورة هذه الأسئلة في ظل الاستهداف الإسرائيلي المكثف لمناطق وشرائح اجتماعية محددة، وما يرافق ذلك من محاولات واضحة لتعميق الانقسام الداخلي وإضعاف أي شعور بالمصير المشترك. ففي مثل هذه اللحظات، لا يعود التعليم مجرد قطاع خدماتي أو ملف إداري، بل يصبح ساحة مركزية للصراع حول معنى العدالة، وشكل الدولة، وطبيعة المجتمع الذي نريد بناءه اثناء وبعد الحرب. 

ومن هنا، تنطلق هذه المقالة من محاولة مساءلة مفهوم العدالة في التعليم خلال الحرب: كيف تبدو العدالة التعليمية في سياق الحرب؟ كيف يمكن صياغة سياسات تعليمية لا تعاقب الفئات الأكثر تضرراً، ولا تمنح الامتياز مجدداً لمن يملكون أصلاً قدرة أكبر على النجاة والازدهار؟ 

 

لفهم ما الذي يمكن أن تعنيه العدالة التعليمية فعلاً في ظل هذه الحرب، لا يكفي النقاش النظري أو السياسي وحده، بل علينا الإصغاء إلى التجارب الحية للطلاب والمعلمين والأهالي ومديري المدارس ممن يعيشون هذه الحرب يومياً

 

في ظل الحرب الإسرائيلية لم يعد الحديث عن العدالة التعليمية نقاشاً نظرياً أو مطلباً إصلاحياً مؤجلاً، بل أصبح سؤالاً يتعلق ببقاء المجتمع نفسه. إذ خلّف العدوان الإسرائيلي دماراً واسعاً في قطاع التعليم، مع نزوح نحو ١٫٢ مليون شخص، وإغلاق 1228 مدرسة رسمية (2780 مدرسة رسمية وخاصة)، وتحويل ٦٤٢ مؤسسة تعليمية  من بينها ٥٥٠ مدرسة رسمية إلى مراكز إيواء للنازحين. كما طال التأثير المباشر نحو مليون تلميذ وتلميذة وأكثر من ٤٥ ألف معلم ومعلمة ونحو 250 ألف تلميذ في دوام بعد الظهر والمراكز التعليمية، فيما لم يبقَ من المدارس العاملة في ذروة العدوان سوى ٣١٠ مدارس رسمية في عموم البلاد بينما فتحت معظم المدارس الخاصة في المناطق الآمنة.  

وبحلول ديسمبر ٢٠٢٤، كانت ٣٤٩ مدرسة قد تعرّضت لأضرار جزئية و٣٣ مدرسة دُمّرت كلياً، فيما عاش طلاب الجنوب والبقاع وبعلبك والضاحية الجنوبية انقطاعاً متكرراً عن التعليم وتهجيراً قسرياً وتعليماً هشّاً عبر تطبيقات التراسل. إلا أن الدراسة الميدانية التي أجراها مركز الدراسات اللبنانية في مارس ٢٠٢٦ تكشف أن هذه الحرب لم تُحدث قطيعة تعليمية مفاجئة، بل جاءت لتُعمّق انهياراً تراكمياً بدأ منذ الأزمة الاقتصادية عام ٢٠١٩، مروراً بجائحة كورونا وانفجار المرفأ والحروب المتتالية. 

ولفهم ما الذي يمكن أن تعنيه العدالة التعليمية فعلاً في ظل هذه الحرب، لا يكفي النقاش النظري أو السياسي وحده، بل علينا الإصغاء إلى التجارب الحية للطلاب والمعلمين والأهالي ومديري المدارس ممن يعيشون هذه الحرب يومياً. وتكشف الدراسة الميدانية التي أجراها مركز الدراسات اللبنانية خلال الحرب، والتي شملت مقابلات ومجموعات نقاش مع ٨٨ مشاركاً من طلاب وأهالٍ ومعلمين ومديري مدارس، إضافة إلى استبيان شمل ٣٠٠ معلم في المدارس الرسمية، أن ما يعيشه قطاع التعليم اليوم ليس مجرد “تعثر مؤقت” يمكن تجاوزه بالعودة إلى الصفوف أو بإجراء الامتحانات الرسمية، بل أزمة عدالة عميقة تكشف من يملك فعلاً الحق في التعليم ومن يُدفع تدريجياً إلى خارجه. 

وفي ذروة الحرب، اعتمدت وزارة التربية على التعليم عن بُعد والتعليم الهجين كحل للاستمرارية. لكن الدراسة تكشف أن هذا “الاستمرار” لم يكن متساوياً. فالتعليم عن بُعد أصبح فعلياً امتيازاً طبقياً يرتبط بامتلاك الكهرباء والإنترنت والأجهزة والمساحة الآمنة داخل المنزل. وقد أفاد ٨٣٪ من المعلمين أن ضعف الإنترنت أو انقطاعه كان من أبرز العوائق، فيما أشار ٤٦٪ إلى غياب الأجهزة الكافية لدى الطلاب. وأكثر من ٦٥٪ من المعلمين أكدوا أن أقل من نصف طلابهم كانوا يشاركون بانتظام في الحصص التعليمية. 

أما داخل مراكز الإيواء، فقد بدت فكرة “التعليم الإلكتروني” شبه منفصلة عن الواقع اليومي للطلاب. فالعائلات كانت تتشارك هاتفاً واحداً، والأطفال يعيشون في غرف مكتظة تفتقر إلى الخصوصية والكهرباء والهدوء. بعض الطلاب كانوا يدرسون في الممرات أو ينتظرون عودة والدهم بالهاتف كي يتمكنوا من متابعة الدروس. وفي كثير من الحالات، لم تصل حزم الإنترنت التي أعلنت عنها الوزارة إلى الطلاب أساساً، أو وصلت إلى هواتف الأهالي بطريقة لا تسمح باستخدامها الفعلي للتعلم. 

وتكشف الدراسة أيضاً أن الحرب لم تعمّق فقط الفوارق بين الأغنياء والفقراء، بل أعادت إنتاج اللامساواة بين المناطق والفئات الاجتماعية. ففي الجنوب والنبطية، اعتمدت أكثر من ٩٠٪ من المدارس على التعليم عن بُعد بسبب شدة الاستهداف، بينما استطاعت مناطق أخرى الحفاظ جزئياً على التعليم الحضوري أو الهجين. وهذا يعني أن الحرب لم تؤثر على جميع الطلاب بالقدر نفسه، بل أعادت توزيع فرص التعلم تبعاً للجغرافيا والأمان والقدرة الاقتصادية.  

 

٥٪ فقط من المعلمين اعتبروا أن أنماط التعليم الحالية تراعي احتياجات الطلاب ذوي الإعاقة

 

إذا كانت الحرب قد عمّقت اللامساواة التعليمية في لبنان عموماً، فإن أثرها على اللاجئين السوريين والفلسطينيين كان أكثر قسوة وحدّة. فاللاجئون دخلوا هذه الحرب وهم أصلاً في موقع هش داخل النظام التعليمي اللبناني، بعد سنوات من التهميش والانقطاع المتكرر عن التعليم، وضعف التمويل، وتراجع فرص الالتحاق بالتعليم الرسمي، وازدياد الخطابات السياسية المعادية لهم. قبل الحرب الأخيرة، كان نحو ٤٠٪ من الأطفال السوريين خارج المدرسة أساساً، فيما كانت نسب التسرب ترتفع بصورة متواصلة نتيجة الأزمة الاقتصادية، وعمالة الأطفال، وصعوبة التنقل، وتراجع التمويل الدولي لبرامج التعليم. ومع الحرب، تفاقمت هذه الهشاشة بشكل غير مسبوق. فالعديد من مدارس الدوام الثاني أغلقت أو تحولت إلى مراكز إيواء، بينما وجد آلاف اللاجئين أنفسهم نازحين مرة جديدة داخل لبنان، أو غير قادرين على الوصول إلى التعليم بسبب النزوح والفقر وفقدان الإنترنت والأجهزة. 

أما الأطفال ذوو الإعاقة وصعوبات التعلم، فقد كانوا من أكثر الفئات تهميشاً وإقصاءً. فالدراسة تشير إلى أن ٥٪ فقط من المعلمين اعتبروا أن أنماط التعليم الحالية تراعي احتياجات الطلاب ذوي الإعاقة، بينما أقرّ معظم المشاركين بغياب شبه كامل لأي خدمات متخصصة أو دعم نفسي أو ترتيبات دامجة داخل المدارس أو مراكز الإيواء. كما أن معظم مراكز الإيواء نفسها كانت غير مجهزة لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة، ما جعل كثيرين منهم معزولين بالكامل عن التعليم والخدمات. 

لكن ربما تكمن أخطر نتائج الدراسة في كشفها أن الأزمة لم تعد أزمة وصول إلى التعليم فقط، بل أزمة معنى التعليم نفسه. فالكثير من الطلاب والمعلمين والأهالي باتوا يتساءلون عن جدوى مناهج وامتحانات تُفرض بالطريقة نفسها على طلاب يعيشون ظروفاً متناقضة جذرياً. وقد رأى معظم المشاركين أن الإصرار على إنهاء المناهج والامتحانات الرسمية يعكس “سياسة تطبيع مع الحرب”، تتعامل مع الطلاب وكأنهم يعيشون ظروفاً متساوية، فيما بعضهم يتعلم من منازل مستقرة وآخرون يحاولون الدراسة من داخل مراكز الإيواء أو تحت القصف والخوف والتهجير. 

كما تكشف الدراسة عن الانهاك الهائل الذي يعيشه المعلمون أنفسهم. فقد أفاد ٧٩٪ من المعلمين أنهم لا يتلقون دعماً كافياً، بينما قال ٥٥٪ إنهم يعانون نفسياً خلال التدريس، ولم يحصل سوى ١٪ تقريباً على أي دعم نفسي. كما أن ٨١٪ من المعلمين أكدوا حاجتهم إلى دعم مالي مباشر للاستمرار في التعليم. وفي كثير من الحالات، كان المعلمون أنفسهم نازحين أو يعيشون ظروفاً غير مستقرة، فيما يُطلب منهم الاستمرار في التدريس وإدارة الأزمات النفسية والاجتماعية للطلاب في آن واحد. 

وإزاء الحديث الملتهب حول قرار وزارة التربية الاستمرار بالامتحانات الرسمية, تُظهر دراسة أخرى لمركز الدراسات اللبنانية أن نسب جهوزية الطلاب للخضوع للامتحانات الرسمية شهدت تراجعاً حاداً ومتواصلاً منذ عام ٢٠٢٣، بما يعكس الأثر التراكمي للأزمات والحروب على العملية التعليمية. ففي عام ٢٠٢٣، بلغت نسبة الطلاب الذين اعتبروا أنفسهم جاهزين للامتحانات الرسمية ٤٨٪ في القطاع الخاص مقابل ٢١٪ في القطاع الرسمي. ثم انخفضت هذه النسب في عام ٢٠٢٤ إلى ٢٧٪ في القطاع الخاص و١٧٪ في القطاع الرسمي، قبل أن تتراجع بصورة غير مسبوقة في عام ٢٠٢٦ لتصل إلى أدنى مستوياتها، حيث لم تتجاوز ٨٪ في القطاع الخاص و٧٪ في القطاع الرسمي. وتكشف هذه الأرقام ليس فقط حجم الانهيار التعليمي، بل أيضاً كيف أن الفوارق التقليدية بين القطاعين بدأت تضيق بفعل الانهيار الشامل والحرب، وإن بقيت آثارها أكثر قسوة على طلاب التعليم الرسمي والفئات الأكثر هشاشة. والسنوات الماضية أظهرت أن الامتحانات الرسمية فقدت جزءاً كبيراً من معناها التربوي بفعل طريقة إدارتها واستخدامها السياسي والإداري. وإذا كان بعض طلاب المدارس الخاصة يحتاجون نتائج الامتحانات للالتحاق بجامعات في الخارج، فإن ذلك لا يمكن أن يصبح المعيار الوحيد الذي تُبنى عليه السياسات التعليمية في بلد يعيش حرباً وانهياراً بهذا الحجم. 

معنى العدالة في الحروب 

وإزاء استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان، يصبح تعريف معنى وماهية عدالة التعليم في الحروب أكثر إلحاحاً وتعقيداً. فالعدالة في زمن الحرب لا يمكن أن تعني معاملة جميع الطلاب بالطريقة نفسها رغم اختلاف ظروفهم جذرياً، ولا يمكن اختزالها بمجرد “استمرارية التعليم” واجراء امتحانات رسمية بأي ثمن. إن أي حديث جدي عن العدالة التعليمية في زمن الحرب يجب أن يبدأ بالاعتراف بحقيقة أساسية: الحروب لا تنتج معاناة متساوية، بل تُعمّق اللامساواة القائمة وتوزّع الألم والخسارة بصورة غير متكافئة. ومن هنا، لا يمكن اختزال دور الدولة ووزارة التربية بمجرد إبقاء المدارس مفتوحة شكلياً أو إجراء الامتحانات الرسمية بوصفهما الدليل الوحيد على “استمرارية التعليم” أو “الصمود”. فهذه المقاربة تختزل التربية في بعدها الإداري والتقني، وتتجاهل وظيفتها الأخلاقية والاجتماعية الأعمق في لحظات الانقسام والألم الجماعي.  

 

أظهرت الحرب عشرات المبادرات المحلية والفردية والمؤسساتية التي حاولت حماية التعليم بوصفه مساحة للعلاقات الإنسانية لا مجرد عملية تلقين

 

المسؤولية الأولى للتربية خلال الحرب هي ألّا تتحوّل الحرب إلى آلية دائمة تُقصي الأكثر هشاشة من التعليم ومن المستقبل معاً، وألّا تترسّخ لديهم قناعة أعمق وأشد خطراً: أن الدولة والمدرسة لم تكونا يوماً لهم ولم تهتم بآلامهم ولن تجعلهم الأولوية في أي سياسات. وان لم يكونا الأكثر عددا بين الطلبة فهم الأكثر ظلما ولذلك وجعهم له الاولوية.  أما المسؤولية الثانية، فهي تعزيز التضامن الاجتماعي بين مختلف فئات المجتمع، وخصوصاً مع الفئات التي تدفع الأثمان الأكبر من القتل والتهجير والفقدان والانقطاع عن الحياة الطبيعية. ففي زمن الحرب، لا يُقاس نجاح التربية بعدد الامتحانات التي أُجريت أو المناهج التي أُنجزت، بل بقدرتها على حماية النسيج الاجتماعي، وتعزيز الشعور الجماعي بأن المجتمع لا يترك أبناءه الأكثر ضعفاً يواجهون مصيرهم وحدهم. 

ولهذا، فإن جعل التضامن القيمة المركزية التي تحكم السياسات التربوية قد يكون من أهم ما تستطيع وزارة التربية القيام به اليوم. فالتعليم، قبل أن تحوّله الرأسمالية والدولة الحديثة إلى أداة للفرز الوظيفي والمنافسة الفردية، كان يحمل معنى اجتماعياً وأخلاقياً أعمق: أن يتعلم الناس كيف يلتقط بعضهم بعضاً في لحظات السقوط والأزمات ويزدهرون سوية. 

وربما تكمن إحدى النقاط المضيئة وسط هذا الانهيار في وجود أرضية غنية داخل المجتمع اللبناني نفسه لممارسات التضامن والرعاية المتبادلة. فقد أظهرت الحرب عشرات المبادرات المحلية والفردية والمؤسساتية التي حاولت حماية التعليم بوصفه مساحة للعلاقات الإنسانية لا مجرد عملية تلقين. ففي دراسة مركز الدراسات اللبنانية، برزت تجارب لمدراء بادروا منذ الأيام الأولى للحرب إلى إنشاء شبكات تواصل ودعم عبر تطبيقات الواتساب لمتابعة جميع طلابهم، ليس فقط تعليمياً، بل نفسياً واجتماعياً أيضاً. كما ظهرت مبادرات لمدارس استقبلت الطلاب النازحين ودمجتهم مع الطلاب غير النازحين، ولمعلمين حوّلوا الصفوف الافتراضية إلى مساحات للدعم والتنفس والحوار، لا مجرد أماكن لإنهاء الدروس. 

وفي هذا المعنى، تصبح قيمة “المسار” أهم من “النتيجة”، وتصبح طريقة إدارة العام الدراسي أكثر أهمية من الشهادة نفسها.  

 

 

Central Administration of Statistics (CAS) and United Nations Children’s Fund (UNICEF). (2025). Sub-National Lebanon Multiple Indicator Cluster Survey 2023, Statistical Snapshots. Beirut, Lebanon: CAS and UNICEF. 

ابو رجيلي، خ. (١٩٧٤. أثر الخلفية الاجتماعية والاقتصادية على التحصيل الدراسي في لبنانالمركز التربوي للبحوث  والإنماء.

عامل, مز ٢٠١٧.  في قضايا التربية والسياسة التعليمية 

مركز الدراسات اللبنانية [CLS]. (2024). Education under fire: The impact of the Israeli aggression on education in Lebanon.  

المركز التربوي للبحوث والإنماء [CRDP]. (2024). النشرة الإحصائية 2023–2024

وثيقة الوفاق الوطني [اتفاق الطائف]. (1989). الجمهورية اللبنانية. 

Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1990). Reproduction in education, society and culture (R. Nice, Trans.; 2nd ed.). Sage. (Original work published 1970) 

Bowles, S., & Gintis, H. (1976). Schooling in capitalist America: Educational reform and the contradictions of economic life. Basic Books. 

Chahine, S., Hammoud, M., & Shuayb, M. (2024). Learning loss in Lebanese public schools: Evidence from Grade 10 students. Centre for Lebanese Studies. 

Farha, M. (2012). The historical legacy and political implications of state and sectarian schools in Lebanon. Academia.  

Lebanon Response Plan. (2026). Education sector dashboard [Power BI data visualisation]. 

Makdisi, U. (2000). The culture of sectarianism: Community, history, and violence in nineteenth-century Ottoman Lebanon. University of California Press.  

Nehme, N. (2023). The Cost of Education in Lebanon: Treasury and Society Expenditure. Arabic version. Centre for Lebanese Studies 

Nussbaum, M. C. (2011). Creating capabilities: The human development approach. Harvard University Press. 

Save the Children Lebanon. (2025). Protection and education needs assessment. 

Sen, A. (1999). Development as freedom. Oxford University Press. 

 

*الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة أو مركز الدراسات اللبنانية، بل تمثل رأي صاحبها فقط