العودة ليست مجرد فتح الأبواب: كيف تتعافى مدارس جنوب لبنان؟  

مع بداية عام دراسي جديد في لبنان، فيما لا تزال مناطق من الجنوب تعيش تحت وطأة القصف والنزوح وعدم الاستقرار، يبرز سؤال يبدو بسيطًا للوهلة الأولى: هل المدارس جاهزة للعودة؟ 

لكن الإجابة ليست ببساطة نعم أو لا. فالمدرسة قد تفتح أبوابها، من دون أن تكون آمنة. وقد يكون المعلمون مستعدين للعودة، فيما الطلاب موزعون في مناطق مختلفة. وقد يتوافر التعليم الإلكتروني، بينما يكون المبنى مدمرًا أو الوصول إليه متعذرًا. وقد يكون المبنى صالحًا، لكن المدرسة تفتقر إلى المياه أو الكهرباء أو الكادر أو الموارد الأساسية. 

لذلك، لا ينبغي أن نقيس الجاهزية بموعد فتح المدرسة فقط، بل بقدرتها على توفير تعليم آمن ومستقر وذي جودة، والوصول إلى الطلاب، والاستمرار في العمل إذا تغيرت الظروف من جديد. وتزداد أهمية هذا السؤال مع حجم الضرر الذي لحق بالبنية التحتية التعليمية. فقد أظهر تقييم وطني في حزيران/يونيو 2026، بدعم فني من اليونيسف، تضرر 340 مدرسة، بينها 17 مدرسة دُمّرت بالكامل، مع خطر بقاء نحو 100 ألف طفل دون صفوف إذا لم تُستكمل أعمال الإصلاح بصورة عاجلة. 

تستند هذه المقالة إلى دراسة نوعية شملت خمس مؤسسات تعليمية في جنوب لبنان، اختيرت وفق عينة قصدية، وبعد الحصول على موافقة وزارة التربية والتعليم العالي لتسهيل الوصول إلى المدارس والتواصل مع إداراتها لأغراض البحث. وأُجريت مقابلات شبه موجهة مع قيادات المدارس. ولم يكن الهدف تصنيف المدارس إلى «جاهزة» و«غير جاهزة»، بل فهم سؤال أكثر تعقيدًا: ما الذي يجعل مدرسة ما قادرة على العودة أو الاستمرار، وما الذي يبقى خارج قدرتها مهما بذلت إدارتها من جهود؟ 

خمس مدارس… وخمس صور مختلفة للجاهزية للعودة 

ثانوية الخيام: عندما يصبح الحفاظ على المدرسة أهم من فتح المبنى 

في الخيام التي ترزح تحت الاحتلال والابادة العمرانية، دُمّر المبنى المؤقت بعد أن كان المبنى الأساسي قد دُمّر أيضًا. وبالتالي، فإن المشكلة الأولى ليست كيفية إعادة فتح المدرسة، بل كيف تستمر المدرسة في غياب المكان الذي كانت تعمل منه؟.

تمتلك المدرسة هنا موردًا مهمًا: خبرة سابقة في استخدام Microsoft Teams، ما يتيح لها الاستمرار في التعليم والتواصل مع الطلاب رغم تعذر العودة الحضورية. كما تبحث الإدارة في بدائل مادية، من بينها إمكان استخدام أرض خاصة لإنشاء مبنى مؤقت عندما تسمح الظروف.تكشف هذه الحالة أن استمرار المدرسة لا يرتبط بالمبنى وحده. فحين يتشتت الطلاب والمعلمون، يصبح الحفاظ على الاتصال بينهم واستمرار التعليم إحدى الطرق الأساسية للحفاظ على المجتمع المدرسي نفسه. 

الدرس من الخيام هو أن التعافي قد يبدأ قبل العودة إلى المبنى. ففي بعض الحالات، تكون الأولوية الأولى هي منع تفكك المدرسة كمؤسسة والحفاظ على علاقتها بطلابها إلى أن تصبح العودة المكانية ممكنة. 

مدرسة حولا: ماذا تعني العودة عندما لا يعود الطلاب إلى المكان نفسه؟ 

تواجه حولا أيضًا تعذر العودة إلى الموقع الأصلي التي تعاني أيضا من الاحتلال والابادة العمرانية، لكن التحدي هنا لا يتعلق بالمبنى فقط. فقد أدى النزوح إلى توزيع الطلاب في مناطق مختلفة من لبنان. استجابة لذلك، جرى التفكير في الجمع بين استخدام مدرسة مجاورة في بعض الأيام والتعليم الإلكتروني. لكن هذا الحل نفسه يكشف حدود ما تستطيع المدرسة فعله: فالطلاب الذين يحتاجون إلى التعليم عن بُعد بسبب تشتتهم الجغرافي هم أنفسهم الذين يصعب جمعهم في مكان واحد للتعليم الحضوري. وهنا تصبح الجاهزية سؤالًا مختلفًا: ليس فقط أين ستُعقد الدروس، بل كيف يمكن للمدرسة أن تظل مرتبطة بطلاب لم يعودوا يعيشون في المكان نفسه؟ والاستراتيجية المتاحة حاليًا هي الجمع بين الوسائل الممكنة: تعليم إلكتروني يحافظ على الوصول إلى الطلاب المشتتين، مع إمكان استخدام مساحة مدرسية بديلة عندما تسمح مواقع الطلاب وظروفهم بذلك. 

تكشف حولا أن استعادة المبنى لا تكفي إذا لم يستعد المجتمع المدرسي نفسه تماسكه. فالنزوح يغيّر جغرافية المدرسة، وقد تصبح استعادة العلاقة مع الطلاب شرطًا يسبق استعادة التعليم الحضوري الكامل.

ثانوية رمال رمال – الدوير: العودة ممكنة، لكن كيف نجعلها قابلة للاستمرار؟ 

تختلف حالة ثانوية رمال رمال–الدوير. فإمكانية الوصول إلى المدرسة أفضل نسبيًا اذا انها تقع خارج المناطق التي احتلتها اسرائيل، وهناك مجال لإصلاح المبنى والاستفادة من دعم البلدية والمجتمع المحلي. لذلك، لا يتمثل التحدي الأساسي هنا في العثور على مدرسة بديلة أو الوصول إلى الطلاب، بل في الاستعداد لعودة قد تحدث في بيئة لا تزال معرضة للتصعيد من جديد. وتظهر لدى المدرسة بعض مقومات هذا الاستعداد: خبرة سابقة في خطط الإخلاء، والتنسيق مع الصليب الأحمر، وإمكان الانتقال إلى التعليم الإلكتروني إذا تجدد التصعيد. كما تدرك الإدارة أن العودة لا يمكن أن تبدأ وكأن شيئًا لم يحدث، ولذلك برزت الحاجة إلى تخصيص الأسابيع الأولى للدعم النفسي والتربوي والتواصل مع الأسر. هذه الحالة توضح أن الجاهزية لا تعني فقط أن المدرسة تستطيع أن تفتح اليوم، بل أن لديها قدرة على الاستمرار إذا تغيرت الظروف غدًا. 

فالدرس هنا هو أن التعافي يجب أن يبني قدرة المدرسة على التعامل مع عدم الاستقرار، لا أن يعيد تشغيلها مؤقتًا إلى أن تقع الأزمة التالية.

ثانوية عنقون: عندما تعرف المدرسة ما تحتاجه ولا تملك وسائل توفيره 

في عنقون، تبدو العودة ممكنة من حيث المبدأ، لكن المدرسة تعرضت لأضرار نتيجة استخدامها مركزًا للنزوح، وهناك مشكلات تتعلق بالسلامة والصيانة. وتعرف الإدارة جانبًا من احتياجاتها، لكنها لا تستطيع تلبيتها بمفردها. فقد تلقت المدرسة وعودًا بالدعم لم تتحول كلها بعد إلى موارد فعلية، كما أن ترتيبات التعامل مع أي طارئ جديد لا تزال غير واضحة بالكامل. توضح هذه الحالة بصورة مباشرة حدود ما تستطيع الإدارة المدرسية إنجازه وحدها. فالمدير يستطيع تحديد الاحتياجات وتنظيم العمل والاستعداد، لكنه لا يستطيع إصلاح أضرار كبيرة أو تأمين الموارد والتمويل أو حسم القرارات التي تقع خارج سلطته.الدرس من عنقون هو أن الجاهزية ليست مسؤولية المدرسة وحدها. فإذا نُقلت المسؤولية إلى الإدارة من دون الموارد والقرارات والدعم اللازم، تصبح «اللامركزية» عمليًا نقلًا لعبء الأزمة إلى المدرسة بدل تمكينها من التعامل معها. 

مدرسة المساكن الشعبية–صور: يمكن فتح المدرسة، ولكن هل تستطيع تحمّل ما بعد العودة؟ 

تقدم مدرسة المساكن الشعبية في صور صورة مختلفة. الوصول إلى المدرسة ممكن نسبيًا، ولذلك قد تبدو للوهلة الأولى أكثر جاهزية من مدارس مثل الخيام أو حولا. لكن فتح الأبواب يكشف مجموعة أخرى من الضغوط: مشكلات في الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ونقص في الوقود والمعدات والقرطاسية، إلى جانب وصول طلاب جدد بسبب النزوح. وقد سجلت المدرسة 56 طالبًا جديدًا وفق إفادة الإدارة.هنا لا تكمن المشكلة في العودة إلى المكان، بل في قدرة المدرسة على الاستمرار في أداء وظيفتها بعد العودة. فهي مطالبة بتعليم عدد أكبر من الطلاب في وقت تعاني فيه أصلًا نقصًا في الموارد والخدمات الأساسية. وتكشف هذه الحالة بوضوح لماذا لا ينبغي استخدام «إعادة الفتح» وحدها كمؤشر للجاهزية. فالمدرسة قد تكون مفتوحة، لكنها تعمل تحت ضغط يمكن أن يستنزف الإدارة والمعلمين والموارد ويضعف جودة التعليم. 

والدرس من صور هو أن التعافي لا يُقاس فقط بعودة الطلاب إلى الصفوف، بل بقدرة المدرسة على استيعابهم ودعمهم والاستمرار في تعليمهم دون استنزاف قدراتها.

ماذا نتعلم من هذه الحالات؟ 

أولًا: المدير يستطيع أن يقود المدرسة، لكنه لا يستطيع أن يعوّض الدولة 

ركزت وزارة التربية في الفترة الأخيرة على أهمية تعزيز اللامركزية الإدارية، وهي خطوة مهمة لأنها تمنح المدارس مساحة أكبر للاستجابة لاحتياجاتها الخاصة. لكن الحالات التي درسناها توضح حدود ما يمكن أن تقوم به الإدارة المدرسية. يستطيع المدير تنظيم العمل، والتواصل مع الأسر، وبناء شراكات محلية، وتطوير خطط للطوارئ، والانتقال إلى التعليم الإلكتروني أو الجمع بين التعليم الحضوري وعن بُعد. لكنه لا يستطيع بمفرده تغيير الوضع الأمني، أو إعادة بناء مدرسة مدمرة، أو إعادة الطلاب النازحين إلى مناطقهم، أو تأمين تمويل مستدام، أو حل مشكلات البنية التحتية الكبرى. ولهذا فإن إعطاء المدارس مزيدًا من المسؤولية من دون منحها الموارد والصلاحيات والمعلومات والدعم اللازم قد يؤدي إلى نتيجة عكسية. فقد تبدو المدرسة مستقلة وقادرة على التصرف، بينما تكون في الواقع مضطرة إلى حل مشكلات كان يفترض أن يتحمل النظام التعليمي والدولة جزءًا أساسيًا من مسؤوليتها. يمكن وصف ذلك بـ اللامركزية التي تفرضها الأزمة أي أن المدرسة تتحمل مزيدًا من المسؤوليات ليس لأن النظام منحها فعلًا سلطة وموارد أكبر، بل لأن الأزمة تركتها مضطرة إلى تدبير أمورها بنفسها. وهذا فرق أساسي. فاللامركزية الحقيقية لا تعني نقل العبء إلى المدرسة، بل إعطائها صلاحيات وموارد ومعلومات واضحة، ضمن نظام يوفر التنسيق والدعم والمساءلة.

ثانيًا: المدرسة الآمنة ليست فقط مدرسة لم يتضرر مبناها 

عادة ما نفكر في السلامة بعد الحرب من خلال سؤال واضح: هل المبنى صالح للاستخدام؟ لكن مقابلاتنا تظهر أن السلامة أوسع بكثير. فالمدرسة قد تكون سليمة إنشائيًا، بينما يعيش المعلمون والطلاب حالة من الخوف والإرهاق والفقد. وقد يعود المعلم إلى الصف جسديًا من دون أن يكون قادرًا نفسيًا على استعادة دوره بالكامل. وقد يجلس الطالب في مقعده، لكنه لا يكون مستعدًا للتعلم. في رمال رمال–الدوير، على سبيل المثال، توجد خطط للإخلاء والاستجابة للتصعيد، إلى جانب توجه لتخصيص الأسابيع الأولى للدعم النفسي والمراجعة والتمهيد للعودة إلى التعلم. وفي الخيام، برزت الحاجة إلى دعم المعلمين الذين عاشوا الفقد والنزوح والإرهاق. كما أظهرت حولا تفاوتًا في استعداد المعلمين والأهالي نفسيًا للعودة. ولهذا، لا ينبغي التعامل مع الدعم النفسي والاجتماعي بوصفه خدمة إضافية تأتي بعد بدء التدريس، بل باعتباره جزءًا من شروط العودة نفسها. 

ثالثًا: التكنولوجيا تساعد المدرسة على الاستمرار، لكنها لا تحل المشكلة وحدها 

أظهرت الحرب مجددًا أهمية التعليم عن بُعد عندما يتعذر الوصول إلى المدرسة. لكن امتلاك Microsoft Teams أو أي منصة أخرى لا يعني أن المدرسة أصبحت قادرة تلقائيًا على مواجهة الأزمة. فنجاح التعليم عن بُعد يتطلب خبرة سابقة لدى المعلمين، وأجهزة واتصالًا بالإنترنت، وقدرة الطلاب على المشاركة، ومتابعة من المدرسة، وقيادة قادرة على الانتقال بسرعة بين التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد.  لذلك هناك فرق بين أن تستطيع المدرسة نقل الدروس إلى الإنترنت، وبين أن تكون لديها قدرة حقيقية ومستدامة على التكيف مع الأزمات. فالمنصة قد تحفظ استمرار الدرس، لكنها لا تعيد بناء المدرسة، ولا تعيد الطلاب النازحين، ولا تعالج آثار الحرب النفسية والاجتماعية، ولا تضمن جودة التعلم. 

رابعًا: لا يمكن تعويض ما خسره الطلاب قبل أن نعرف ما خسروه 

إحدى القضايا الأساسية في مرحلة العودة هي الفاقد التعليمي. وتكشف المقابلات أن المدارس أُبلغت بوجود اختبار تشخيصي في بداية العام الدراسي، لكن التفاصيل المتعلقة بالمواد المستهدفة والوقت وطريقة التطبيق لم تكن واضحة بالدرجة نفسها لجميع المدارس. وهذه قضية مهمة لأن الطلاب لا يعودون جميعًا بالمستوى نفسه. فبعضهم عاش فترات طويلة من الانقطاع، وبعضهم تنقل بين مدارس مختلفة، وبعضهم تابع التعليم الإلكتروني بصورة متقطعة، فيما انقطع آخرون بالكامل. لذلك لا ينبغي أن تبدأ عملية التعافي بمحاولة «اللحاق بالمنهج» مباشرة. الأولوية هي أولًا معرفة مستوى الطلاب، ثم تحديد الفجوات الأساسية، وبعدها وضع خطة تعليمية تستجيب لما يحتاج إليه الطلاب فعليًا.  

من فتح المدرسة الى الصمود والتعافي 

تكشف الحالات الخمس أن إعادة فتح المدرسة لا تعني بالضرورة أنها تعافت. فقد تستأنف الدراسة بينما يبقى المبنى متضررًا، أو الطلاب مشتتين، أو المعلمون مرهقين، أو الموارد غير كافية، أو فجوات التعلم من دون معالجة. لذلك، فالسؤال الأهم ليس فقط: متى تفتح المدرسة؟ بل: ما الذي تحتاجه المدرسة لكي تستعيد قدرتها على التعليم والاستمرار؟  ومن هنا، ينبغي النظر إلى العودة باعتبارها جزءًا من مسار للتعافي:

تكمن أهمية هذا التحول في أنه يمنع اختزال نجاح الاستجابة في عدد المدارس التي أعادت فتح أبوابها. فقياس التعافي بالفتح وحده قد يخفي هشاشة المدرسة: إدارة تستنزف قدراتها لتعويض نقص الموارد، ومعلمون يعودون رغم الإرهاق والفقد، وطلاب يحضرون من دون أن يكونوا مستعدين للتعلم، ومجتمعات مدرسية لا تزال مشتتة. أما التركيز على التعافي، فيحوّل الاهتمام من إعادة تشغيل المدرسة إلى استعادة قدرتها وقدرة من فيها على الاستمرار. وهذا يعني دعم المعلمين والطلاب، وإعادة بناء العلاقات والثقة، وتأمين الموارد والبنية التحتية، ومعالجة فجوات التعلم، وتعزيز قدرة المدرسة على التكيف من دون أن تتحمل وحدها أعباء الأزمة. 

وهنا يصبح التعافي أساسًا للصمود. فالصمود لا يعني أن تستمر المدرسة بأي ثمن، أو أن تعتمد بصورة دائمة على جهود الأفراد الاستثنائية، بل أن يمتلك الأشخاص والمؤسسات الموارد والدعم والقدرة التي تمكّنهم من الاستمرار والتكيف من دون استنزاف قدراتهم. المطلوب اليوم إنشاء فريق وطني للتعليم في الطوارئ والتعافي والصمود يضم وزارة التربية، والمدارس، ونقابات وروابط المعلمين، والجامعات، والبلديات، والمجتمع المدني، وممثلي الأهالي والطلاب. وتكون مهمته الانتقال من الاستجابة الآنية إلى التخطيط المشترك للتعافي: تحديد احتياجات المدارس، تنسيق الموارد، دعم المعلمين والطلاب، معالجة فجوات التعلم، ووضع خطط تضمن استمرارية التعليم وقدرة المدارس على الصمود أمام الأزمات المقبلة.