ضجّت البلاد في الأشهر الماضية بمعركة الامتحانات الرسميّة، التي تحوّلت إلى واحدة من أبرز المعارك التربويّة في لبنان. انقسمت المواقف بين من رأى فيها ضرورة لحماية قيمة الشهادة الوطنيّة وحقّ من حقوق الطلّاب والطالبات الأساسيّة، ومن اعتبر أنّ إجراء امتحان موحّد بعد الحرب والنزوح والإقفال والتفاوت الحادّ في فرص التعلّم يفتقر إلى العدالة. استنفرت الأحزاب والفعاليات ووسائل الإعلام، وانتقل النقاش إلى أعلى المستويات السياسيّة، فيما أصرّت وزارة التربية على خوض المعركة باعتبارها دفاعًا عن التعليم الرسميّ وعن قيمة الشهادة. وانتهت المواجهة بخسارة الوزارة.
يمكن الاختلاف حول أهميّة هذه المعركة. فقد رأى بعض أعضاء الهيئة التحريريّة أنّ الحفاظ على الامتحانات ضروري لحماية نوعيّة التعليم ومعاييره الوطنية، فيما رأى آخرون أنّها أعطت، على المدى القصير، أولويّة أكبر لمصالح الفئات الأكثر قدرة على متابعة التعليم الجامعيّ، وخصوصًا في الخارج، على حساب التضامن مع الطلّاب والطالبات الذين تكبّدوا خسائر تعليميّة فادحة بفعل الحرب الإسرائيليّة والنزوح والانقطاع عن الدراسة.
لكنّ ما يستحقّ التوقف عنده ليس حجم المعركة التي دارت حول الامتحانات، بل غياب معركة جوهريّة اخرى عن النقاش العام.
فللسنة الخامسة تقريبًا، يتلقى طلّاب وطالبات التعليم الرسميّ تعليمهم أربعة أيام في الأسبوع بدل خمسة. وما بدأ كتدبير استثنائيّ في سياق الانهيار الاقتصاديّ وارتفاع كلفة النقل وتدهور قيمة رواتب المعلّمين والمعلمات تحول تدريجيًا إلى واقع شبه دائم. في العام 2021، أعلنت الوزارة اعتماد أربعة أيام تعليم على الأقلّ حضوريًّا ويوم تعليم من بُعد، ثمّ استمرّ نظام الأيّام الأربعة في السنوات التالية. وفي العام الدراسيّ 2024–2025 لم يتجاوز عدد أيام التدريس المخطّط لها 93 يومًا، أي أقل بـ57 يومًا من معيار 150 يومًا، فيما كان المنهج اللبناني لعام 1997 قد صُمم أصلًا على أساس 170 يومًا دراسيًا (Hammoud, Shuayb, & Al Samhoury, 2021; Hammoud & Brun, 2025; Nehme, 2025).
لم يعد الأمر، إذًا، مجرد تعديل إداريّ في روزنامة المدرسة. نحن أمام تقليص متراكم في كميّة التعليم التي يحصل عليها طلّاب وطالبات المدرسة الرسميّة، وفي حقّهم في فرصة تعليميّة مماثلة لتلك المتاحة لكثير من أقرانهم في التعليم الخاص.
وتكشف الأرقام حجم هذا التراجع. فبين 2019–2020 و2024–2025، خسر طلّاب وطالبات المدارس الرسميّة ما يقدّر بنحو 445 يومًا من أصل 900 يوم كان يفترض أن يتلقّوها وفق معيار 150 يومًا سنويًا. وترتفع الخسارة إلى نحو 630 يومًا لدى الطلّاب والطالبات في المناطق القريبة من الحدود الجنوبيّة، حيث ضاع المزيد من وقت التعلّم بفعل الحرب والنزوح والإقفال المتكرّر (Hammoud & Brun, 2025).
وقد انعكست هذه الخسارة بوضوح على التعلّم. ففي تقييم شمل 272 طالبًا وطالبة من الصف العاشر في المدارس الرسمية في خمس محافظات، نجح 3% فقط في الرياضيات، و8% في اللغة العربيّة، و13% في اللغة الإنجليزيّة عند استخدام أسئلة مستمدّة من امتحانات رسميّة سابقة (Chahine, Hammoud, & Shuayb, 2024). كما تراجعت نسبة الطلّاب والطالبات الذين أفادوا بإتمام المنهج كاملًا من 25% عام 2023 إلى 12% عام 2025 ثم إلى 9% فقط عام 2026 (Hammoud, 2023; Hammoud, 2025a; Hammoud & Shuayb, 2026).
ومع ذلك، لم يتحوّل اليوم الخامس إلى معركة وطنيّة.
لم تخض وزارة التربية من أجله معركة بالحجم السياسيّ والإعلاميّ نفسه الذي خاضته في قضيّة الامتحانات. ولم تستنفر الأحزاب قواها ومنابرها. ولم يصبح حرمان نحو 300 ألف طالب وطالبة في التعليم الرسميّ من التعلّم خلال أيّام الأسبوع الدراسيّ كلّها قضيّة رأي عام. ولم نشهد من الروابط والنقابات والمجتمع الأكاديميّ والتربويّ تعبئة تتناسب مع حجم الخسارة التي يتحمّلها طلّاب وطالبات المدرسة الرسميّة.
موازنة 2027 تُكرّس إجحاف التعليم الرسمي والإلزامي
وتصبح هذه المفارقة أكثر حدّة عند النظر إلى موازنة 2027. فقد طالبت وزيرة التربية بتأمين تمويل لاستعادة اليوم الخامس وتحسين قدرة المدارس على الانتظام، لكنّ وزارة الماليّة لم تعدّ هذا الإنفاق أولويّة. وفي الوقت نفسه، تكشف موازنة الوزارة عن تعديل واضح في توزيع الموارد بين مكوّنات النظام التعليميّ.
ففي عام 2018، حصل التعليم الأساسيّ على نحو 40% من موازنة وزارة التربية، بينما انخفضت حصّته في مشروع موازنة 2027 إلى نحو 26%. كما تراجعت حصّة التعليم الثانويّ من 19% إلى 15%. في المقابل، ارتفعت حصة التعليم المهنيّ والتقنيّ من 11% إلى 18%، وحصّة التعليم الجامعي من 22% إلى 31% (وزارة المالية، مشروع موازنة 2027).
المشكلة ليست في تمويل الجامعة اللبنانية أو التعليم المهني والتقني. فكلاهما يحتاج إلى استثمار وإصلاح. لكن الموازنة تعكس خيارات، لا مجرد قيود ماليّة. وتصبح هذه الخيارات أكثر وضوحًا عندما نلاحظ أن الزيادة على موازنة الجامعة اللبنانية وصندوق الأساتذة الجامعيين وحدهما تبلغ نحو 38 مليون دولار، أي ما يقارب الكلفة المقدّرة لاستعادة اليوم الخامس في التعليم الرسمي. ثمّ أنّ بعض الملاحظات والأسئلة تفرض نفسها: لماذا ارتفعت ميزانيّة إدارات تنتمي للفئة السياسيّة نفسها؟ وهل سيخدم هذا الارتفاع تطوير الجامعة اللبنانيّة والتعليم المهنيّ أم سيستهلك في هدر المال العام؟
فليست المشكلة إذن “شح الموارد” بل القضية هي كيفيّة توزيع الموارد، ومن تُعطى احتياجاتهم الأولويّة عندما تتنافس القطاعات على المال العام.
وبالإضافة إلى سؤال كيف نوزّع الموارد يُطرح سؤال: من يدفع؟ فشحّ الموارد ليس قدرًا، بل هو نتيجة سياسات ماليّة متبعة، وتوازن قوى.
فالحكومة العاجزة عن مواجهة المصارف ومافيات المال في لبنان، لا تفرض الضرائب المستحقّة على أرباحهم المبالغ بها، فتجد نفسها غير قادرة على دفع رواتب تساوي التضخّم للأساتذة وتضحّي بكلّ بساطة باليوم الخامس من كلّ أسبوع في مدارس الطبقات الأكثر هشاشة.
والأثر الاجتماعيّ لهذه الخيارات ليس محايدًا. فقد أظهر مسح للأسر أن 40% توقعوا أن يؤدّي تقليص الأسبوع إلى زيادة الضغط داخل الحصص، و38% إلى صعوبة أكبر في تعويض الفاقد التعليمي، بينما توقع 26% زيادة الحاجة إلى الدروس الخصوصية (Hammoud, 2026). وفي المسح نفسه، أفادت 75% من الأسر بأنها تواجه باستمرار صعوبة في تسديد فواتيرها المنزلية، فيما اضطرت 71% إلى الاقتراض لتغطية تكاليف مرتبطة بالتعليم.
وهكذا لا تؤثر خسارة اليوم الخامس في جميع الطلاب والطالبات بالتساوي. تستطيع الأسر ذات الموارد الأعلى شراء دروس إضافية، أو توفير دعم تعليمي في المنزل، أو الانتقال إلى مدرسة خاصة. أما الأسر الأقل دخلًا والأكثر هشاشة اقتصاديًا واجتماعيًا، فتملك هامشًا أقل بكثير لتعويض ما لا توفره المدرسة الرسميّة.
بذلك، يتحوّل قرار يبدو في ظاهره تشغيليًا إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة. فالدولة لا تقلّص يومًا من التعليم فحسب؛ بل تنقل جزءًا من مسؤوليّة تعويض هذا اليوم إلى الأسرة، في نظام تختلف فيه قدرة الأسر على شراء التعليم اختلافًا جذريًا.
استمرار إنفاق الحكومة على التعليم الخاص أكثر من التعليم الرسمي
وتزداد المفارقة عندما ننظر إلى علاقة الدولة بالتعليم الخاص. قبل أزمة 2019، قُدرت مساهمات الدولة في القطاع التعليمي الخاص بنحو 900 مليون دولار سنويًا، وهو مبلغ كان يقارب الإنفاق العام على التعليم ما قبل الجامعي. كما حصلت الفئات الأعلى دخلًا على نحو 64% من التقديمات المدرسية مقابل 16% فقط للفئات الأقل دخلًا (Nehme, 2023).
ويستمر هذا المنطق في مشروع موازنة 2027 من خلال التقديمات المدرسية لموظفي القطاع العام، ومساهمات الدولة في صناديق التعاضد والمؤسّسات العامّة، التي يذهب جزء كبير منها إلى تمويل التعليم الخاص. المسألة هنا ليست الاعتراض على حقوق الموظّفين والموظّفات في التقديمات الاجتماعيّة، بل الكشف عن مفارقة في السياسة العامّة: الدولة قادرة على تعبئة موارد كبيرة لتمويل ترتيبات تسمح لفئات معيّنة بالاستمرار في التعليم الخاص، لكنها لا تمنح الأولويّة نفسها لاستعادة أيام تعليمية كاملة في المدرسة الرسميّة.
وهذه المفارقة لا يمكن فصلها عن بنية القوّة في النظام التعليميّ اللبنانيّ. فعدد كبير من المؤسّسات التعليميّة الخاصة مرتبط، بدرجات مختلفة، بشبكات دينية وطائفية وحزبية واجتماعية تمتلك حضورًا سياسيًا ومؤسساتيًا قويًا وقدرة على حماية مصالحها. أما طلاب وطالبات المدرسة الرسمية، ولا سيما المنتمون والمنتميات إلى الفئات الأقل دخلًا والأكثر تهميشًا، فلا يمتلكون قوة تنظيميّة موازية تستطيع فرض حقّهم على جدول الأولويّات.
لكنّ إخفاق اليوم الخامس لا يمكن تحميله للدولة وحدها.
مسؤولية المجتمع بالدفاع عن القطاع الحكومي
اللافت أيضًا هو ضعف التضامن المجتمعيّ والمهنيّ حول قضيّة تمسّ مئات آلاف الأطفال واليافعين. المجتمع الذي استنفر حول الامتحانات، وانقسم دفاعًا عن الوزيرة أو في مواجهتها، لم يستنفر بالقدر نفسه عندما تعلّق الأمر بحق أساسيّ في وقت التعلّم. الأحزاب لم تحوّل القضية إلى معركة سياسيّة. وسائل الإعلام لم تجعل منها قضيّة مستمرّة. الروابط والنقابات التعليميّة لم تضعها في صدارة خطابها العام. وحتّى المجتمع الأكاديميّ والتربويّ، الذي ينتج باستمرار مقالات ومواقف حول المناهج والهويّة والتربية المدنيّة والتماسك الاجتماعيّ، لم يحوّل هذا الحرمان الممتدّ إلى قضيّة مركزيّة.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إزعاجًا.
يُستدعى مفهوم “التماسك الاجتماعي” سريعًا كلما طُرح تعديل في منهج، أو تغيير في كتاب تاريخ. لكنّ التماسك الاجتماعيّ لا يبدأ من اتفاقنا على رواية وطنيّة مشتركة في كتاب مدرسيّ رغم أهمّيتها، بل من شعور الأطفال واليافعين بأنّ الدولة تعاملهم بوصفهم متساوين في الحقوق والفرص.
لا يمكن بناء تماسك اجتماعيّ مستدام في نظام يحصل فيه بعض الأطفال على خمسة أيّام تعليم (التعليم الخاص)، فيما يحصل آخرون على أربعة لأنّهم يعتمدون على مدرسة رسميّة أضعفتها الدولة تدريجيًا. ولا يمكن مطالبة التعليم بإنتاج الوحدة الاجتماعيّة بينما يسمح النظام نفسه بتوزيع فرص التعلّم وفق قدرة الأسر الاقتصاديّة.
التعليم العام، في جوهره، مؤسّسة لتحقيق تكافؤ الفرص. وظيفته ليست فقط نقل المعرفة، بل تقليص أثر الظروف التي يولد فيها الطفل على مستقبله. وعندما تصبح قدرة الأسرة على شراء التعليم الإضافي شرطًا لتعويض ما لا توفّره المدرسة الرسميّة، يكون النظام قد انقلب على هذه الوظيفة.
والأشدّ قسوة أنّ الفئات الأكثر تهميشًا اقتصاديًا واجتماعيًا لا تملك في هذه المعركة “ظهرًا” سياسيًا مؤثرًا. بينما للمؤسسات الخاصة شبكاتها. وللقوى السياسية قواعدها ومصالحها. وللقطاعات الأكثر تنظيمًا نقاباتها وأدوات الضغط الخاصّة بها. أمّا الطفل أو الطفلة اللذان تعتمد أسرتهما كليًا على المدرسة الرسميّة، فلا يملكان قوّة تفاوضيّة مماثلة فشبكات الحماية الرسميّة الراعية للطفولة معطّلة مثل “المجلس الأعلى للطفولة” ولجنة جقوق الإنسان البرلمانية والقضاء …
ولهذا فإنّ معركة اليوم الخامس التي لم تُخض تكشف أكثر بكثير من خلل في الموازنة. إنّها تكشف حدود التضامن في المجتمع اللبنانيّ نفسه ومؤسّساته.
حين لا يتحوّل حرمان مئات آلاف الأطفال من يوم تعليميّ كامل كلّ أسبوع، ولسنوات متتالية، إلى قضية سياسيّة ومهنيّة ومجتمعيّة، فإنّ المشكلة لا تكمن فقط في قرار وزارة الماليّة. إنّها تكمن أيضًا في التفاوت في قيمة الأصوات داخل المجال العام: من يستطيع أن يجعل حقّه قضيّة دولة، ومن يمكن أن يُنتقص حقّه عامًا بعد عام من دون أن تصبح خسارته معركة لأحد!
ومن هنا، فإنّ الخطاب عن الوحدة الوطنيّة والتماسك الاجتماعيّ يفقد الكثير من معناه إذا لم يقترن بالاستعداد للدفاع عن العدالة الاجتماعيّة عندما تكون كلفتها سياسيّة وماليّة حقيقيّة.
فالعدالة التعليميّة لا تتحقّق بالمساواة أمام الامتحان فقط، بل بالمساواة في الفرصة التي تسبق الامتحان: في عدد الأيام، وفي نوعيّة التعليم، وفي المعلّمين والمعلّمات، وفي القدرة على إتمام المنهج.
ولعل ما يبعث على الخجل ليس فقط أنّ الدولة لم تجعل اليوم الخامس أولويّة، بل أنّ المجتمع السياسيّ والإعلاميّ والتربويّ لم يعتبر حرمان هذه الفئات من حقها الكامل في التعليم قضيّة تستحقّ الاستنفار نفسه.
فمن لا يملك القوّة للدفاع عن حقّه هو تحديدًا من يفترض أن يحظى بحماية الدولة وبأوسع أشكال التضامن المجتمعيّ.
وهذا هو الاختبار الحقيقيّ لأي حديث عن التماسك الاجتماعي: ليس مدى قدرتنا على الاتفاق على شعارات الوحدة، بل مدى استعدادنا للدفاع عن حقّ من لا يملك القوّة للدفاع عن نفسه.
المراجع
Chahine, N., Hammoud, M., & Shuayb, M. (2024). The impact of the multiple crises on learning loss among tenth-grade students in Lebanese public schools. Centre for Lebanese Studies.
Hammoud, M. (2023). Children in Lebanon are at risk of losing another academic year. Centre for Lebanese Studies.
Hammoud, M. (2025a). Educational disruption and exam preparedness: The state of Lebanon’s Grade 12 students in 2025. Centre for Lebanese Studies.
Hammoud, M. (2025b). Families on edge: The struggle to keep children in school in Lebanon. Centre for Lebanese Studies.
Hammoud, M. (2025c). Teaching through crisis: How Lebanon’s compounding crises are reshaping the teaching profession. Centre for Lebanese Studies.
Hammoud, M. (2026). The growing struggle to keep children in school in Lebanon amid rising costs and renewed Israeli aggression. Centre for Lebanese Studies.
Hammoud, M., & Brun, C. (2024). Lebanon’s education crisis: Pre-existing challenges before the escalation of Israeli aggressions. ERICC Policy Brief.
Hammoud, M., & Brun, C. (2025). Education and crises: The cost of delayed recovery in Lebanon. ERICC Working Paper.
Hammoud, M., & Shuayb, M. (2026). The baccalaureate in a time of war: Are Lebanon’s students ready? Centre for Lebanese Studies.
Hammoud, M., Shuayb, M., & Al Samhoury, O. (2021). The challenges and prospects of returning to school: Reflections of parents, teachers, and principals in Lebanon. Centre for Lebanese Studies.
Nehme, N. (2023). The cost of education in Lebanon: Treasury and society expenditure. Centre for Lebanese Studies.
Nehme, N. (2025). Cumulative loss of instructional days between 2016 and 2025: The decline in educational quality in Lebanon. Centre for Lebanese Studies.
وزارة المالية اللبنانية. مشروع الموازنة العامة لعام 2027.







