أثار الإعلان عن المنهاج الوطني الجديد في لبنان نقاشًا عامًا مهمًّا، ولا سيّما حول موقع تعليم التاريخ والخيارات التي ستؤثّر في الطريقة التي ستفهم بها الأجيال المقبلة الماضي. وهذا النقاش مشروع وضروري؛ فإصلاح المناهج ليس مجرّد عملية تقنية، بل يعكس تطلّعات المجتمع التربوية وتصوّره للمواطنين الذين يسعى إلى إعدادهم.
وبصفتي منخرطة منذ أكثر من عقد في جهود إعادة التفكير في تعليم التاريخ في لبنان، وفي دعم المساعي الرامية إلى تجاوز الجمود المزمن الذي أصاب منهاجه، أرحّب بهذا النقاش. فقد أدّى العجز عن تجديد المنهاج طوال سنوات إلى إبقاء تعليم التاريخ أسير نموذج تربوي متقادم: يقدّم نقل المعلومات على تنمية التفكير التاريخي، ويكافئ الحفظ أكثر من الفهم، ولا يترك للاستقصاء والتأمّل إلا مساحة ضيّقة. وتؤكّد البحوث في تعليم التاريخ أن التعلّم الحقيقي لا يتحقّق باكتساب المعلومات التاريخية فحسب، بل بممارسة العمليات المنهجية التي يُبنى من خلالها هذا النوع من المعرفة (Wineburg, 2001; Seixas & Morton, 2013). وبعيدًا عن الخلافات السياسية المحيطة بالتاريخ، حرم هذا الجمود التربوي أجيالًا من المتعلّمين فرصة اختبار التاريخ بوصفه مجالًا حيًّا يساعدهم على فهم الماضي والحاضر معًا.
من هذا المنطلق، أقرأ المنهاج الجديد بوصفه فرصة لإعادة تنظيم المجال وتغيير ما يفعله المتعلّمون داخل صفوف التاريخ. ومع أن نجاحه مرهون بالتطبيق، فإن بعض خياراته البنيوية والتربوية تستحق التوقّف عندها. وفي هذه المقالة ساتوقف عند ابرز التغيرات التي يميز المنهج الجديد لتعليم وتعلم التاريخ.
دمج المواد الاجتماعية وإتاحة التخصّص في التاريخ
أوّل هذه الخيارات دمج التاريخ والجغرافيا ومفاهيم أساسية من علم الاجتماع والاقتصاد ضمن مجال أوسع هو الدراسات الاجتماعية. ويساعد هذا التنظيم البينيّ الطلاب على فهم الأحداث التاريخية في سياقاتها الجغرافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فبدل حفظ أحداث منفصلة، يستكشف المتعلّمون كيفية عمل المجتمعات، وتفاعل العوامل المختلفة، وتشكّل التغيّر التاريخي عبر الزمن. وتتيح لهم هذه النظرة الأوسع بناء فهم تاريخي أعمق، وإقامة روابط ذات معنى بين الماضي والحاضر.
أمّا الابتكار الثاني، فهو إتاحة التاريخ خيارًا تخصّصيًّا في المرحلة الثانوية. ويتّبع الطلاب الذين يختارون هذا المسار برنامجًا أكثر غنى وتطلّبًا، يعمّق معارفهم في الاختصاص وينمّي كفاياتهم التاريخية. ويمثّل ذلك استثمارًا مهمًّا في مستقبل هذا الحقل، إذ يتيح للطلاب تطوير مهارات التحليل والبحث والتفسير والتواصل اللازمة لدراسة التاريخ في الجامعة، وللمهن التي تتطلّب ثقافة تاريخية.
التفكير التاريخي والكفايات التي يقيسها التقويم
لعلّ التحوّل الأبرز يتمثّل في الانتقال من تعليم متمحور حول المحتوى إلى تعلّم قائم على الكفايات. فلم يعد المطلوب من المتعلّمين أن يستعيدوا المعلومات التاريخية فحسب، بل أن يوظّفوا المعارف والمهارات والقيم والمواقف لبحث أسئلة تاريخية، وتفسير الأدلة، وبناء الحجج، وتبرير الاستنتاجات (OECD Learning Compass 2030).
يعيد هذا التحوّل تعريف الغاية من تعليم التاريخ، وينسجم مع أدبيات دولية راسخة حول التفكير التاريخي. يرى سام واينبرغ(Wineburg; 2001)) أن التفكير تاريخيًّا ليس قدرة تلقائية، بل مهارة ينبغي للتعليم أن ينمّيها بصورة مقصودة فيتعلّم الطلاب مساءلة الأدلة، وفحص التفسيرات المتنافسة، وبناء حجج تستند إلى المصادر بدل الاكتفاء بحفظ المعلومات. ويرى ستيفان ليفيسك ( Levesque;2008) أن التفكير التاريخي يقتضي النظر النقدي إلى الماضي، فيما يصفه بيتر سيكساس (Seixas;2017)بأنه العملية التي يفسّر المؤرّخون من خلالها الأدلة ويبنون التفسيرات التاريخية. وبذلك، لا تعود غاية تعليم التاريخ نقل معرفة ثابتة، بل إشراك المتعلّمين في استقصاء منضبط تُبنى من خلاله المعرفة التاريخية.
ويغيّر هذا التوجّه، بالضرورة، طريقة تقويم التعلّم. فبدل أن يكافئ التقويم استرجاع المعلومات في المقام الأول، يصبح معنيًّا بالكشف عن التفكير المنهجي لدى المتعلّم: كيف يحلّل المصادر؟ وكيف يبرّر تفسيره؟ وكيف يبني حجّة ويستخدم المفاهيم التاريخية للإجابة عن أسئلة جديدة؟ ويُعدّ هذا الاتساق بين المنهاج وطرائق التعليم والتقويم من أبرز عناصر التجديد فيه. فالتحدّي، كما يؤكّد ليفيسك، لا يقتصر على معرفة ما يمتلكه الطلاب من معلومات تاريخية، بل يشمل أيضًا كيفية توظيفهم هذه المعرفة للتفكير في الماضي.
وتكتسب هذه النقلة أهمية خاصة في لبنان، حيث اختُزل التاريخ في كثير من الأحيان في تمرين على الحفظ، فبدا للعديد من الطلاب مادة ثقيلة، بعيدة عن واقعهم، ومحدودة الجدوى خارج الصف. أمّا تقويم التفكير التاريخي بدل الاستظهار، فيمكن أن يجدّد اهتمامهم بالمادة؛ لأنه يبيّن لهم أن التاريخ لا يتعلّق بتذكّر الماضي فحسب، بل بتنمية عادات فكرية تساعدهم على فهم الحاضر والمساهمة في صنع المستقبل.
الاستقصاء التاريخي من مصادر متعدّدة
يتجلّى التحوّل الثاني في انفتاح المنهاج على مصادر تاريخية متنوّعة. فبدل أن يكون كتاب مدرسي واحد المرجع الوحيد، يشجّع المنهاج المعلّمين على استخدام الوثائق المكتوبة، والمواد البصرية، والشهادات الشفوية، والخرائط، والإحصاءات، والقطع المادية، والموارد الرقمية.
ويُدعى المتعلّمون إلى التحقّق من مصدر الوثيقة، ومساءلة موثوقيتها، وفهم سياقها، وتحديد وجهات النظر المختلفة، وبناء تفسيرات تستند إلى الأدلة. ولا يعني ذلك استبدال رواية واحدة بمجموعة من الروايات المتنافسة، بل تعريف الطلاب بالطرائق التي يبني بها المؤرّخون المعرفة التاريخية. وهكذا يتحوّل التاريخ إلى مجال للاستقصاء، بدل أن يبقى نقلًا سلبيًّا لخلاصات جاهزة (Wineburg, 2001; Seixas & Morton, 2013).
فهم الماضي والتأمّل في أثره الحاضر
يتجاوز المنهاج أيضًا مجرّد اكتساب المعرفة التاريخية، فيشجّع على التأمّل. إذ يُنتظر من المتعلّمين أن يربطوا ما يتعلّمونه بخبراتهم، وأن يبحثوا في صلة التطوّرات التاريخية بقضايا الحاضر، وأن يتأمّلوا في أثر الفهم التاريخي في نظرتهم إلى المجتمع.
ويحوّل هذا التأمّل التاريخ من مجموعة أحداث بعيدة إلى خبرة تعليمية ذات معنى. فهو يساعد المتعلّمين على فهم ما حدث، وإدراك أهميته اليوم، ورؤية الكيفية التي يستمرّ بها الماضي في التأثير في الواقع الراهن. ويربط المؤرّخ الألماني يورن روسن الوعي التاريخي بتفسير الماضي من أجل فهم الحاضر واستشراف المستقبل. وبذلك، يتجاوز تعليم التاريخ تراكم المعلومات ليدعم التأمّل، وتكوين المواقف الواعية، والمواطنة المستنيرة.
التفكير النقدي والمواطنة في زمن التضليل
يعيد المنهاج تصوّر تعليم التاريخ بوصفه مساحة لتنمية الكفايات التي يتطلّبها عالم اليوم. فالتفكير النقدي، والتواصل، والتعاون، والثقافة الرقمية، وحلّ المشكلات، والاستدلال الأخلاقي لم تعد أهدافًا ثانوية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من التعلّم.
وتزداد أهمية هذا التحوّل في زمن يتعرّض فيه الطلاب لكميات غير مسبوقة من المعلومات والمعلومات المضلّلة. لذلك لم تعد القدرة على التمييز بين الدليل والرأي، وتقويم المحتوى الرقمي نقديًّا، والتواصل بمسؤولية، والانخراط البنّاء مع الآراء المختلفة مهارات اختيارية؛ بل هي كفايات أساسية للمواطنة الديمقراطية (UNESCO, 2023; Council of Europe, 2018).
التعاطف والمسؤولية عند تناول الماضي الصعب
من أكثر جوانب المنهاج الجديد وعدًا إدماجه الصريح للتعلّم الاجتماعي والعاطفي. فالتاريخ، في جوهره، دراسة للتجارب الإنسانية بما تحمله من إنجازات وصراعات ومعضلات ومعاناة وصمود وتطلّعات. لذلك لا يمكن حصر تعليمه في النموّ الفكري وحده.
عندما يتعرّف الطلاب إلى تجارب تاريخية ووجهات نظر مختلفة، تتاح لهم أيضًا فرصة تنمية التعاطف، والوعي بالمشاعر، واحترام التنوّع، والتواضع الفكري، والقدرة على التعامل باحترام مع الاختلاف. كما يتعلّمون إدراك الآثار الإنسانية للخيارات التاريخية وفهم تعقيد الحياة الاجتماعية (UNESCO, 2023).
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في لبنان، حيث تتعدّد الذاكرات ويستمرّ إرث النزاعات في تشكيل الحياة العامة. ومن هنا، يضطلع تعليم التاريخ بدور أساسي في إعداد الشباب لمقاربة الماضي الصعب بتروٍّ واحترام ومسؤولية. وتشير اليونسكو إلى أن تجنّب التواريخ الصعبة أو تبسيطها يحرم المتعلّمين فرصة فهم أثر الماضي في الانقسامات الراهنة، كما يحرمهم تنمية المهارات اللازمة للحوار والمصالحة وبناء السلام. لذلك، لا يُعدّ التعلّم الاجتماعي والعاطفي إضافة هامشية إلى تعليم التاريخ، بل أحد مقاصده التربوية الأساسية.
ومن هنا، لا يقتصر دور هذا النهج الجديد على تطوير تعلّم التاريخ داخل الصف، بل يفتح طريقًا أكثر مسؤولية للتعامل مع ماضٍ لا يزال موضع خلاف. فعندما يتعلّم الطلاب والطالبات الإصغاء إلى تجارب متعددة، وفحص الروايات بالأدلة، والتمييز بين الاعتراف بالألم وتبرير العنف أو إعادة إنتاجه، يصبح الحوار حول الماضي أقل قابلية للتوظيف في الانقسام. وهذا لا يفرض ذاكرة واحدة، بل يهيّئ شروطًا لمجتمع أكثر قدرة على الاعتراف بتعدّد ذاكراته وبناء قدر أكبر من الثقة والتماسك.
من رؤية المنهاج إلى الممارسة الصفية وبناء الهوية الوطنية
إن نشر المنهاج هو بداية العمل؛ فنجاحه يتطلّب كتبًا وموارد تعكس فلسفته، وتقويمًا يقيس الكفايات، وتطويرًا مهنيًّا مستمرًّا يمكّن المعلّمين من إدارة الاستقصاء وتحليل المصادر. ويتطلّب أيضًا تعاون الجامعات ومراكز البحوث والتربويين، وشرح خياراته للرأي العام وإتاحة نقاش مستنير حولها.
ولا ينبغي تحميل تعليم التاريخ وحده مسؤولية بناء الهوية الوطنية؛ فهي مسؤولية تشترك فيها المدرسة والأسرة والمؤسسات العامة والثقافية والإعلام والمجتمع المدني. ويسهم التاريخ في ذلك حين يمكّن المتعلّمين من فهم الماضي نقديًّا والاعتراف بتعدّد التجارب والذاكرات.
هنا تكمن فرصة المنهاج الجديد: أن يغيّر معنى تعلّم التاريخ، فيكتسب الطلاب أدوات مساءلة الأدلة وتقبّل التعقيد والحوار حول ماضٍ مختلف عليه. وفي لبنان، قد يساعد هذا النهج على تحويل التعامل مع الماضي من مصدر دائم للانقسام إلى مجال للتعلّم والحوار وبناء تماسك اجتماعي أكثر رسوخًا.
المراجع
Council of Europe. (2018). Reference Framework of Competences for Democratic Culture. Strasbourg: Council of Europe.
Lévesque, S. (2008). Thinking Historically: Educating Students for the Twenty-First Century. Toronto: University of Toronto Press.
OECD. (2020). OECD Learning Compass 2030. Paris: OECD.
Rüsen, J. (2005). History: Narration, Interpretation, Orientation. New York and Oxford: Berghahn Books.
Seixas, P. (2017). A Model of Historical Thinking. Educational Philosophy and Theory, 49(6), 593–605. https://doi.org/10.1080/00131857.2015.1101363
Seixas, P., & Morton, T. (2013). The Big Six Historical Thinking Concepts. Toronto: Nelson Education.
UNESCO. (2023). Recommendation on Education for Peace, Human Rights and Sustainable Development. Paris: UNESCO.
Wineburg, S. (2001). Historical Thinking and Other Unnatural Acts: Charting the Future of Teaching the Past. Philadelphia: Temple University Press.






