كيف يترجم مشروع الموازنة 2027 رؤية الحكومة للنهوض بالتعليم؟

مع انطلاق عام دراسي جديد، يعود إلى الواجهة السؤال حول مستقبل التعليم الرسمي في لبنان، ومدى ما أنجزته الحكومة في قطاع عُلّقت عليه آمال كبيرة  والسعي لإعادة الاعتبار إلى التعليم بوصفه أولوية وطنية. وإحدى أكثر الأدوات وضوحًا لقياس هذه الأولوية هي مشروع الموازنة العامة لعام 2027، وتحديدًا ما تخصصه الحكومة لوزارة التربية والتعليم العالي. فالموازنة لا تكشف فقط حجم الإنفاق، بل تعكس أيضًا ما تعتبره الحكومة أولوية، وما إذا كانت رؤيتها للإصلاح تُترجم إلى موارد واستثمارات فعلية.   

من هنا نسأل: إلى أي مدى يعكس مشروع موازنة 2027 رؤية جدية للنهوض بالتعليم الرسمي وتحسين فعالية الإنفاق فيه ومردوده على المجتمع وحياة العاملين التربويين؟ للإجابة عن هذا السؤال نناقش في هذه المقالة جوانب مما تم تخصيصه للتعليم في مشروع موازنة 2027.  

موازنة 2027 كما سابقاتها، ولكن! 

تبلغ موازنة وزارة التربية والتعليم العالي المقترحة للعام 2027 ما يعادل 721 مليون دولار، بزيادة نحو 88 مليون دولار عن 2026 و312 مليون دولار عن 2025. لكن، عند قراءة موازنة 2027 لا نلحظ فروقات في منهجيتها، فهي مماثلة لسابقاتها 2026 و2025. ولما أخذنا موازنة قبل الأزمة (2018) معياراً للمقارنة توضحت لنا أسئلة كبرى ليس من السهل إيجاد أجوبة منطقية لها. استعاد التعليم الأساسي الرسمي 34% من قيمة حصته عام 2018، والتعليم الثانوي 42%، و حافظا على عدد ملتحقين متقارب.  

التعليم المهني والتقني استعاد 89% من قيمة تمويله مقارنة بالعام 2018 وصارت مخصصاته تتجاوز التعليم الثانوي علما أن التعليم المهني والتقني الرسمي فقد نحو 40% من الملتحقين منذ 2022 حتى 2025 (تراجع من 30 ألف إلى 17750 ملتحق)، ولا تزال موازنة التعليم المهني ترتفع سنويا. المركز التربوي للبحوث والإنماء استعاد ما نسبته 41% من حصة 2018 وهو ارتفع من 2.5 مليون دولار عام 2026 إلى 6.3 مليون دولار في موازنة 2027 علما أنه لم يتم تعيين سوى رئيسة المركز كموظف جديد مؤخراً ولم توضح الموازنة ماهية الزيادة على النفقات التي تبلغ 3 مليون دولار.  

وأخيرا  استعادت الجامعة اللبنانية 61% من بند الرواتب والتشغيل قبل الأزمة بالرغم من خسارتها 30% من الملتحقين، أما  دعم صندوق الأساتذة الجامعيين تضاعف 230% من 23 مليون $ عام 2018 إلى 57 مليون $ في موازنة 2027 والمعلوم أن جزءاً كبيرا من رواتب الأساتذة الجامعيين يغطيه الصندوق. قيمة الزيادة على موازنة الجامعة والصندوق حسب اقتراح موازنة 2027 تبلغ 38 مليون$ ، أما نسبة حصة الجامعة اللبنانية من موازنة وزارة التربية الكاملة للعام 2027 تبلغ 31% بزيادة 10% عما كان قبل الأزمة، وإذا أضفنا حصة التعليم المهني والتقني البالغة 18% من موازنة وزارة التربية يصبح مجموع مديريتين في الوزارة نحو 50%.  

الملفت في موازنة 2027 إعادة توزيع النسب بين المديريات بين الأعوام 2018 و 2027 بدون تعديلات هيكلية أو جوهرية في الوزارة أو مشروع  تنموي إصلاحي واضح للتطوير أو التحديث للمديريات، وهي اليوم على الشكل التالي مقارنة بقبل الأزمة.  

المديريات والمؤسسات التي تغيرت فيها كتلة الرواتب والأجور عما كانت عليه في العام 2026 هم الجامعة اللبنانية والتعليم المهني والتقني أما المركز التربوي تبدو الزيادة على النفقات الجارية هي الأساس، أما التعليم الأساسي والثانوي وموظفو الإدارة العامة في الوزارة والقطاع العام إجمالا تراجعت كتلة الرواتب والأجور بفعل تقاعد بعض الموظفين والمعلمين.  

المسألة هنا ليست في الاعتراض على دعم الجامعة أو أساتذتها، بل في السؤال عن كيفية ترتيب الأولويات داخل القطاع التعليمي ككل، وعن السياسة التي تفسر هذه التحولات في توزيع الموارد.

التمويل الخارجي أبقى النظام قائمًا، لكنه لم يصلح بنيته 

خلال العقد الماضي، استفاد التعليم في لبنان من تمويل خارجي واسع، وتركز جزء أساسي منه على التعليم الأساسي الرسمي، وتعليم الأطفال اللاجئين، والتعليم غير النظامي. وقد ساعد هذا التمويل على إبقاء أجزاء واسعة من النظام التعليمي قادرة على العمل في ظروف استثنائية. لكنه لم يؤدِّ بالضرورة إلى بناء قدرات مؤسسية دائمة. 

تكررت في المشاريع الممولة خارجيًا ثلاثة أهداف أساسية: توسيع الوصول إلى التعليم، تحسين الجودة، وتعزيز الإدارة والحوكمة. لكن المؤشرات الحالية لا تزال تثير أسئلة حول مدى تحقق هذه الأهداف. 

بحسب الأرقام الواردة في خطة الاستجابة الطارئة لعام 2026، كان هناك نحو 160 ألف  ألف طفل لبناني خارج المدرسة استنادًا إلى بيانات اليونيسف ودائرة الإحصاء المركزي في العام 2023. مؤشرات PISA 2025  المنشورة مؤخراً أشارت إلى تراجع لبنان بين 15 و 20 نقطة بحيث صار ترتيبه قبل الأخير ب 13 دولة فقط (من أصل 91 دولة) في اللغات والرياضيات والعلوم وحل المعضلات.

وهنا تبدو المشكلة أكثر بنيوية من مجرد نقص في المشاريع أو التمويل. فقد استطاع التمويل الخارجي في أحيان كثيرة أن يعوض نقص الموارد بصورة مؤقتة، لكنه لم يتحول بالقدر الكافي إلى أنظمة ومؤسسات قادرة على العمل بصورة مستقرة بعد انتهاء المشروع أو التمويل. ويضاف إلى ذلك أثر الحرب والنزوح والانقطاع المتكرر عن التعليم. أما على مستوى الجودة، فقد تزامنت السنوات الأخيرة مع تقليص أيام التدريس، وتراكم الفاقد التعليمي، وتراجع أوضاع المعلمين، واضطراب انتظام الدراسة. 

استمرار خسارة اليوم الخامس: ماذا تكشف الأولويات المالية؟  

وفي العودة إلى موازنة 2027 وسابقاتها لم تنجح الوزيرة كرامي في استعادة اليوم الخامس من أسبوع التدريس الطبيعي العام الماضي كما العام الحالي، لأن المالية العامة رفضت تحمل نفقات تشغيل اليوم الخامس الذي سيستفيد منه 300 ألف تلميذ. لا ينبغي النظر إلى اليوم الخامس باعتباره مجرد بند تشغيلي إضافي. فاستعادته تعني مزيدًا من وقت التعلم، وفرصة أكبر لمعالجة الفاقد، وتحسين انتظام الدراسة واستعادة جزء من الوظيفة التربوية للمدرسة الرسمية. 

وتصبح المقارنة ذات دلالة عندما نضع هذه الحاجة إلى جانب زيادات أخرى في الموازنة. فبحسب مشروع 2027، تبلغ الزيادة على موازنة الجامعة اللبنانية وصندوق الأساتذة نحو 38 مليون دولار، في حين لا يزال تمويل استعادة الأسبوع الدراسي الكامل في التعليم الرسمي يواجه صعوبات مالية وهو أقل من نصف الزيادة التي طالت الجامعة وحدها.

المقصود هنا ليس وضع التعليم الجامعي في مواجهة التعليم الأساسي والثانوي، بل طرح سؤال أوسع حول كيفية ترتيب الأولويات داخل نظام تعليمي يعاني من محدودية الموارد ومن فاقد تعليمي متراكم.

فالامتناع عن الاستثمار في وقت التعلم له كلفة أيضًا: مزيد من التسرب، وتراجع التحصيل، وزيادة الاعتماد على الدروس الخصوصية، وانتقال مزيد من الأسر إلى التعليم الخاص، واتساع الفجوات بين الطلاب. 

الخزينة تموّل التعليم الخاص:  دعم لأسر الموظفين أم تمويل غير مباشر للتعليم الخاص  

تطرح التقديمات المدرسية التي تمولها الخزينة  لموظفي القطاع العام والعسكر وصناديق التعاضد وموظفي المؤسسات العامة للعام 2027 سؤالًا إضافيًا حول طبيعة الإنفاق العام على التعليم. 

تبلغ قيمة التقديمات المدرسية لموظفي القطاع العام 265 مليون دولار، ونسبة 40% من دعم الحكومة لصناديق التعاضد أي ما يعادل 110 مليون دولار تذهب للمنح المدرسية، يضاف إليهما ما تغطيه المؤسسات العامة والمصالح المستقلة من تقديمات مدرسية من موازناتها ما يقارب 100 مليون دولار وما تنفقه وزارة الشؤون الاجتماعية على تعليم الفقراء والأيتام بعشرات الملايين (450 مليون دولار بينما كانت في العام 2018 تصل إلى أكثر من 700 مليون دولار).  

يتجاوز مجموع ما تنفقه الخزينة والمؤسسات العامة 70% من مجمل مخصصات وزارة التربية. من جهة أخرى تقوم القيامة إذا قررت وزارة التربية إغلاق أو دمج مدرسة لا تضم العدد الكاف من التلاميذ كما ينص القانون، لكن الجهات المعترضة من نواب وسياسيين لا يعترضون على سياسة منح التعليم التي تفرّغ المدرسة الرسمية عمداً لصالح الخاص عوضا عن مضاعفة الاستثمار في التعليم الرسمي! إذاً ما هي الأسباب الحقيقية وراء رفع التقديمات المدرسية 60 مليون دولار ورفع المساهمة في الصناديق 70 مليون دولار أخرى عن العام الماضي، بينما لا يمكن الاستثمار في التعليم الرسمي أو تغطية نفقات اليوم الخامس في المدارس الرسمية!  

إذا، الحكومات المتتالية تقدم المنح والتقديمات المدرسية للموظفين الذين بدورهم يدفعونها (بغالبيتها) للتعليم الخاص المملوك عامة من قبل مؤسسات دينية وأحزاب وإرساليات دينية وعلمانية وعدد من الأفراد المتصلين بسياسيين ونافذين محليين وبعض المستقلين. بمعنى آخر تنوع مالكي المدارس هو واجهة لإضفاء شرعية وحماية “ميثاقية” بينما أكثر من ثلثي الملتحقين بالتعليم الخاص في مدارس الطوائف والأحزاب. 

الخزينة شاءت أم أبت، بهذا النهج، تمول مصالح الأحزاب والطوائف بمئات الملايين سنويا ومن مصلحة الأحزاب والطوائف المقيمة في الحكومة أن تضاعف مساهمة الدولة في التقديمات والمنح المدرسية لضم مزيد من الملتحقين من حساب المدرسة الرسمية وبتمويل مدعوم من الخزينة أي جيوب كل المواطنين. المؤسف أن هذه المخصصات تدخل في خانة الحماية الاجتماعية بينما هي فعلياَ تخدم المصالح الخاصة للمؤسسات الدينية والأحزاب والنافذين وبعض الأفراد التابعين وهذا تزييف واضح لماهية هذا الإنفاق. باستخدام الموازنة لمصطلح الحماية الاجتماعية تشوه وتزوّر الحكومة مفهوم الحماية الاجتماعية والتقديمات المدرسية معاً. 

في الخلاصة 

تكشف موازنة 2027 عن مفارقة أساسية في السياسة التعليمية: ترتفع الموازنة الإجمالية لوزارة التربية، فيما تتراجع نسب التعليم الأساسي والثانوي الإلزامي مقارنة بما قبل الأزمة، مقابل زيادة حصة التعليم الجامعي والتعليم المهني والتقني. وهذا لا يطرح سؤالًا ماليًا فقط، بل سؤالًا حول التزام الدولة بالحق في التعليم. فالتعليم الأساسي الإلزامي ليس قطاعًا يمكن التعامل معه كغيره في المنافسة على الموارد، بل هو التزام أساسي تجاه جميع الأطفال، خصوصًا في ظل تقليص أيام التدريس، وتراكم الفاقد التعليمي، وارتفاع أعداد الأطفال خارج المدرسة.   

في المقابل، ترتفع مخصصات التعليم الجامعي والمهني والتقني من دون أن تتضح بما يكفي خطة إصلاحية تبرر هذا التحول في الأولويات وإعادة توزيع النسب أو تحدد نتائجه المتوقعة.  المشكلة ليست في تمويل هذين القطاعين، وكلاهما يحتاج إلى إصلاح واستثمار، بل في غياب تفسير واضح لسبب إعطائهما أولوية مالية أكبر بينما يبقى التعليم الإلزامي تحت ضغط مالي وتشغيلي مستمر.  

وهذا يطرح سؤالًا أكثر حساسية: هل تعكس هذه الأولويات تقييمًا مهنيًا وعلميًا لحاجات النظام التعليمي، أم تعكس أيضًا تفاوتًا في قدرة المؤسسات والقطاعات والقوى السياسية على حماية حصتها من الموارد العامة؟ لا تكفي الموازنة وحدها لإثبات تأثير المصالح السياسية في توزيع الموارد، لكن غياب معايير واضحة وشفافة لتفسير هذا التوزيع يجعل هذا السؤال مشروعًا. ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للموازنة ليس فقط حجم ما تنفقه الدولة على التعليم، بل مدى عدالة هذا الإنفاق واتساقه مع الحق في تعليم جيد ومتساوٍ للجميع.