بعد أكثر من عقدين من النقاش حول تحديث المناهج في لبنان، عاد الملف إلى الواجهة مع إقرار توجهات جديدة والعمل على ما بات يعرف بـ«مصفوفة المناهج». لكن الالتباس ما زال كبيرًا: هل انتهى تطوير المنهج؟ ما الذي أُنجز فعليًا؟ ما الذي ورثه الفريق الحالي من المراحل السابقة؟ وكيف سينتقل المشروع من الوثائق إلى الصفوف؟
في هذا الحوار مع مجلة المرصد التربوي في مركز الدراسات اللبنانية، يشرح الدكتور عدنان الأمين أين وصلت العملية، وما الذي تغيّر في مقاربة تطوير المناهج، وما أبرز التحديات التي ستواجه التطبيق.
مها شعيب: لنبدأ من السؤال الأبسط، وربما الأكثر التباسًا لدى الناس: أين أصبحنا اليوم في مشروع المناهج؟ هل المناهج الجديدة أصبحت جاهزة؟
عدنان الأمين: أول أمر يجب توضيحه هو أن هناك خلطًا بين الإطار العام للمناهج الذي صدرت وثائقه في العام 2022 وبين المنهج نفسه الذي صدر مرسومه في 15 تموز 2026.
الإطار الذي صدر سابقًا يتضمن مجموعة من الوثائق: رؤية عامة للتعديل، السلم التعليمي، مقاربة التقييم بالكفايات، وعددًا من التوجهات الأخرى. هذه الوثائق تشكل مرجعيات عامة للمناهج، لكنها ليست المنهج الذي سيشكل اطارا للتعليم في لبنان ابتداء من اليوم.
عندما بدأت العمل في هذا الملف، كان هناك أصلًا عمل أنجزته مجموعات ولجان متعددة على الكفايات والنواتج التعليمية والمحتوى. لم نأتِ لنقول لهم: توقفوا وابدأوا من الصفر. فلنا: بما أن العمل وصل إلى هذه المرحلة، فلننتقل إلى شيء أسميناه مصفوفة المناهج.
المصفوفة هي، ببساطة، الخريطة التي تجمع كل الكفايات التي نريد من المتعلم اكتسابها، وما ينتج عنها من نواتج تعلم أساسية ثم نواتج فرعية أو إجرائية. وهذه النواتج الفرعية هي التي ستصبح لاحقًا الأساس للتعليم والتقويم والتأليف والتدريب والإشراف.
لدينا اليوم 86 كفاية خاصة بالمجالات المعرفية وتسع كفايات مستعرضة، أي 95 كفاية إجمالًا. ويضاف إليها 286 ناتجًا تعلميًا أساسيًا وآلاف النواتج الفرعية. لذلك نحن نتحدث عن بنية كبيرة جدًا، لا عن وثيقة قصيرة ومختصرة أو نوايا وشعارات لعامة.
لكن المهم أن نقول بوضوح: هذا لا يعني أن المنهج الجديد أصبح مطبقًا في المدارس. المدارس لا تزال اليوم تعمل وفق المنهج السابق. نحن اليوم نكمل الشروط التي يجب أن تسبق التنفيذ.
مها شعيب: ما المقصود تحديدًا بـ«المصفوفة»؟ المصطلح نفسه قد يبدو تقنيًا جدًا بالنسبة إلى المعلم أو الأهل.
عدنان الأمين:
صحيح، هي وثيقة فنية يحتاج إليها المؤلف، والمعلم، والمقوّم، والمرشد، والمدرب، والناشر.
الفكرة أن كل كفاية يجب أن تتحول إلى شيء يمكن أن نراه في تعلم الطالب وسلوكه أكان هذا السلوك ذهنيا أو فكريا أو قيميا وانفعاليا أو جسديا. المنهج الجديد يقلب الصفحة تماما: من المضمون والحفظ الى المتعلم.
إذا قلنا، مثلًا، إن التفكير النقدي كفاية مستعرضة، فهذا وحده لا يكفي. علينا أن نسأل: ما أبعاد التفكير النقدي؟ وكيف يظهر لدى طفل في الحلقة الأولى؟ وكيف يتغير في الحلقة الثانية والثالثة والرابعة؟ وما الذي يفترض أن يستطيع الطالب فعله كي نقول إنه طور هذه الكفاية؟
لذلك أخذنا الكفايات المستعرضة وأعدنا العمل عليها بطريقة أكثر منهجية. كنا نبدأ بالكفاية، نفككها إلى أبعاد، ثم ننتقل من الأبعاد إلى نواتج أساسية، ومنها إلى نواتج أكثر تحديدًا بحسب المرحلة التعليمية.
الفكرة قريبة من منهجية البحث: إذا كان لديك مفهوم عام، لا تستطيع قياسه كما هو. تحتاج أولًا إلى تحديد أبعاده، ثم تحديد المؤشرات أو السلوكات التي تجعله قابلًا للملاحظة.
وهذا ما حاولنا تطبيقه على الكفايات.
بعد ذلك قمنا بما يمكن تسميته فحصًا للمناهج من الداخل. سألنا مثلًا: إذا قلنا إن الحرية أو الديمقراطية أو الأخلاق أو التحليل أو المقارنة قيم أو مهارات مهمة، فأين تظهر فعلًا داخل النواتج التي كُتبت؟ هل تبدأ في مرحلة ثم تختفي؟ هل تتكرر بلا تطور؟ هل تنتقل من البسيط إلى الأكثر تعقيدًا؟
أي أننا لم نرد فقط أن تكون الكلمات الجميلة موجودة في أعلى الوثيقة، بينما لا نجد لا نجد لها أثرا عندما نصل إلى ما سيتعلمه الطالب فعلًا.
هذه كانت إحدى المشكلات التي عرفناها حتى في المناهج السابقة: يمكن أن تكون الأهداف العامة ممتازة، لكن عندما تنزلين إلى أهداف الصف أو الدرس تكتشفين أنها أصبحت شيئًا آخر.
لذلك كان هدف المصفوفة أن نرى العلاقة بين الكفاية، والناتج الأساسي، والناتج الفرعي، والتدرج بين المراحل.
مها شعيب: إذًا ما هي النقلة الفكرية الأساسية التي يحاول المنهج الجديد إحداثها؟
عدنان الأمين:
هناك نقلتان أساسيتان.
الأولى هي الانتقال من تعليم يقوم بصورة كبيرة على إتقان المعلومات وحفظها وتسميعها إلى تعليم يقوم على تنمية المهارات والقيم والمفاهيم.
المقصود بالكفاية ليس أن الطالب لا يحتاج إلى المعرفة. بالعكس، لا توجد كفاية من دون معرفة. لكن بدل أن يكون الهدف مثلًا أن يعرف الطالب فقط متى عاش فخر الدين ومتى توفي، يصبح السؤال: هل يستطيع أن يبحث عن المعلومات؟ هل يستطيع أن يقارن المصادر؟ أن يحلل؟ أن يكتب تقريرًا؟ أن يبني حجة؟
المعلومات تتغير، وحتى المعرفة التاريخية نفسها تتطور مع البحث. لذلك المهم ليس فقط ماذا يعرف الطالب، بل ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرفه وكيف يغني معرفته.
الكفاية أيضًا ليست مهارة فقط. قد تتضمن الكفاية مهارات ومفاهيم وقيمًا. فإذا تحدثنا مثلًا عن الأخلاق، يمكن أن تكون «الأخلاق» مفهومًا عندما نشرح للطالب معناها ونظرياتها، لكنها تصبح قيمة عندما يكون المطلوب أن تنعكس في ممارسته وسلوكه.
النقلة الثانية هي الانتقال من مفهوم المادة المنفصلة إلى قدر أكبر من الدمج بين المجالات.
في المراحل الأولى تحديدًا، لا نريد أن يتعامل الطفل دائمًا مع الرياضيات والعلوم واللغة والاجتماعيات كأنها عوالم مغلقة لا علاقة بينها.
في التصور الجديد نتحدث أكثر عن حقول معرفية. العلوم حقل، والرياضيات حقل، واللغات حقل، والاجتماعيات حقل، والفنون والأشغال حقل. وفي المستويات الأولى يمكن أن تكون الخبرة التعليمية أكثر اندماجًا، ثم يزداد التخصص تدريجيًا عندما نصل إلى المرحلة الثانوية.
وهذا، برأيي، أحد أهم عناصر التجديد في المنهج، لكنه في الوقت نفسه أحد أكبر التحديات عندما نصل إلى التطبيق.
مها شعيب: لماذا سيكون الدمج صعبًا في التطبيق؟
عدنان الأمين:
لأن النظام الموجود اليوم مبني على منطق آخر.
في الطفولة المبكرة، فكرة الدمج مألوفة نسبيًا. المعلمة تقوم بنشاط يمكن أن يجمع اللغة والحساب والحركة والفن في الوقت نفسه.
لكن عندما نصل إلى المرحلة المتوسطة، تظهر المشكلة. إذا قلنا إن هناك حقلًا اسمه العلوم الاجتماعية يضم التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والاجتماع، فمن سيعلّمه؟
المعلم الموجود اليوم تخرج عادة باختصاص محدد: تاريخ، جغرافيا، اجتماع، رياضيات، فيزياء، لغة عربية، فرنسية… والجامعات نفسها تقوم على التخصص.
فإذا أصبح التعليم منظمًا حول وحدات تعلمية مدمجة، علينا أن نفكر جديًا في القوى البشرية التي ستطبق ذلك.
هل سيعمل أكثر من معلم داخل الوحدة؟ هل نعيد تدريب المعلمين؟ هل نحتاج إلى برامج جديدة في كليات التربية؟ ماذا نفعل مع المعلمين الموجودين أصلًا في النظام؟
هذه ليست مشكلة نظرية. لدينا اليوم عدد كبير من المعلمين الذين دخلوا التعليم بطرق مختلفة، وبعضهم من دون إعداد تربوي كافٍ، فضلًا عن إدارات مدرسية متفاوتة جدًا في قدراتها. ولا يمكن ببساطة تحميل المعلم والمدير كل هذه المتطلبات ثم القول لهما: طبقوا المنهج الجديد. هذا يحتاج إلى وقت ومعالجة فعلية للموارد البشرية.
مها شعيب: لكنكم لم تبدأوا من الصفر. ما الذي احتفظتم به من العمل الذي سبقكم؟
عدنان الأمين:
لم يكن منطقنا إطلاقًا أن كل ما سبق خاطئ.
هناك مئات الأشخاص عملوا على هذا المشروع، وصُرف عليه وقت وجهد ومال. من غير المعقول أن تأتي مجموعة جديدة وتقول: نرمي كل شيء ونبدأ من الصفر.
من الأشياء التي احتفظنا بها، مثلًا، السلم التعليمي الذي تم تطويره سابقًا. تبنيناه كما هو تقريبًا.
كذلك احتفظنا بالمبدأ القائم على الكفايات والتقييم بالكفايات. هذه لم تكن فكرة أدخلناها نحن؛ كانت موجودة في العمل السابق ورأينا أنها خيار جيد.
وكان قد أُنجز أيضًا قدر كبير من العمل على الكفايات الخاصة بالمجالات والنواتج التعليمية. لم نعد كتابتها كلها.
ما فعلناه هو أننا دخلنا على المنتج في نقاط محددة وجدنا أنها تحتاج إلى مزيد من الضبط، وعلى رأسها الكفايات المستعرضة، ثم بدأنا نفحص التماسك الداخلي للمصفوفة.
بمعنى آخر، كان المبدأ: نبني على ما أُنجز، نحتفظ بما نراه جيدًا، ونراجع ما يحتاج إلى تعديل.
حتى الوثائق السابقة، لم نقل إنها ألغيت. اعتبرناها وثائق مرجعية. لكن المرجع التنفيذي الأساسي الآن هو المرسوم والمصفوفة المرتبطة به.
مها شعيب: أشرت إلى أنك لم تكن راضيًا عن الطريقة التي أُدير بها العمل سابقًا، خصوصًا عبر اللجان الكبيرة. ما الذي تغير في العملية نفسها؟
عدنان الأمين:
اعتراضي الأساسي كان على فكرة أن يصبح العمل الفني قائمًا على التمثيل أكثر مما هو قائم على المسؤولية والكفاءة.
عندما تؤلفين لجنة كبيرة على أساس أن هذه المؤسسة يجب أن تكون ممثلة، وهذه الطائفة ممثلة، وهذا الحزب ممثلا، تصبح لديك مشكلة. كل شخص يمكن أن يتصرف وكأنه يمثل جهة يجب أن توافق أو ترفض وتستعمل حق الفيتو. وتصبح النتيجة أحيانًا صياغات توافقية أكثر منها قرارات فنية واضحة.
من باب الجودة والفعالية يجب أن يكون هناك شخص مسؤول أو منسق مسؤول عن المنتج، يعمل مع فريق، يتشاور، يسمع الاعتراضات، لكنه في النهاية يتحمل مسؤولية ما ينتجه ويمكن مساءلته عنه.
هذه نقطة مهمة بالنسبة لي: من المسؤول عن هذه الوثيقة؟ هكذا نستطيع أن نسأل لاحقًا: لماذا كتبت هكذا؟ ولماذا تأخرت عن الإنجاز، او ان نهنئه على المُنجز.
لكن يجب أيضًا التمييز بين التوازن الطائفي والتمثيل الحزبي. أنا لا أقول إن مجتمعًا مثل لبنان يمكن أن يتجاهل التوازنات المجتمعية. يمكنك أن تضمن تنوعًا طائفيًا أو جندريًا، لكن تختار الأشخاص داخل هذا التنوع وفق الكفاءة. المشكلة بالنسبة إليّ هي أن يصبح الشخص موجودًا لأنه مندوب عن حزب، وبالتالي يصبح صاحب فيتو سياسي داخل لجنة تقنية.
مها شعيب: البعض قد يقول إن المصفوفة نفسها معقدة جدًا، حتى أن كثيرًا من المعلمين والناشرين قد لا يفهمونها بسهولة. هل هذا مصدر قلق؟
عدنان الأمين:
نعم، وهذا تحدٍّ فعلي.
المصفوفة ليست وثيقة شعبية، وليست كتيبًا مبسطا للأهل. هي بنية فنية.
حتى الناشرون، في البداية، كانوا يتعاملون مع الموضوع وكأننا نقول لهم: اذهبوا وألفوا كتبًا مدرسية جديدة. لكن التصور أوسع من ذلك بكثير.
المرسوم يتحدث عن مواد تربوية، وليس فقط كتبًا. المادة التربوية قد تكون كتابًا، لكن يمكن أن تكون أيضًا دليلًا، نشاطًا، مشروعًا، مادة رقمية، أو حتى نشاطًا مسرحيًا أو غيره.
هذا لا يعني إلغاء الكتاب المدرسي. في بعض المراحل والمواد، الكتاب قد يكون مفيدًا جدًا. لكننا لا نريد أن يصبح الكتاب هو المنهج.
المنهج هو الكفايات والنواتج التي نريد تحقيقها، أما الكتاب فهو إحدى الأدوات الممكنة لتحقيقها.
وهنا أيضًا يجب أن يتغير التفكير لدى المعلم والناشر والمقوّم، لا أن نغير الكتاب ونترك بقية النظام كما هو.
مها شعيب: ماذا سيحدث الآن؟ ما الخطوة التالية بعد إنجاز المصفوفة والمرسوم؟
عدنان الأمين:
هنا نصل إلى المرحلة التي أعتبرها شديدة الأهمية: الإشراف على التطبيق.
اتفقت مع الوزيرة منذ البداية على إنه لا يمكن أن نعطي المصفوفة للناس ونقول: تفضلوا، ألفوا، اشتروا، درّبوا، وطبقوا.
يجب أن نضع قبل ذلك “قواعد الطريق”.
لهذا أُنشئت هيئة للإشراف على تطبيق المناهج وفق المرسوم، وهي ستخصص الأشهر الأولى من عملها لإنتاج مجموعة من الوثائق المرجعية والإرشادية.
نحتاج، مثلًا، إلى دليل يحدد كيف تُنتج المواد التربوية. ما المعايير التربوية التي يجب أن تستوفيها؟ ما المعايير الفنية؟ كيف تعتمد؟ وما قواعد الشراء العام المرتبطة بها؟
نحتاج أيضًا إلى تنظيم التدريب، والتقويم، والتجريب، ومن يقوم بأي مهمة وفي أي وقت.
الفكرة أنه لا يمكن أن نبدأ التنفيذ قبل الاتفاق على هذه الشروط. استخدمت مرة تشبيهًا بسيطًا: لا يمكنك أن تبدأ بتعبيد الطريق قبل أن تنجز البنية التحتية التي تحته.
نحن الآن نعمل على هذه المرحلة.
مها شعيب: وهل بدأ التجريب في المدارس بالفعل؟
عدنان الأمين:
ليس رسميًا بعد.
هناك في المرسوم مرحلة تجريبية مدتها سنة. بالنسبة إلى بعض الصفوف، يفترض أن يكون العام 2026–2027 عامًا للتطبيق التجريبي الاختياري، ثم يبدأ التطبيق الإلزامي في 2027–2028.
لكنني أريد أن أكون دقيقًا: لا نستطيع أن نقول إن التجريب بدأ رسميًا طالما أن الوثائق التي تنظم التطبيق لم تُنجز بعد. نحن نعمل للوصول إلى مرحلة يمكن فيها أن يبدأ التجريب على أسس واضحة، لا لمجرد القول إننا بدأنا.
مها شعيب: ما أكثر ما يقلقك في المرحلة المقبلة؟
عدنان الأمين:
التطبيق.
كتابة الوثائق صعبة، لكن التطبيق أصعب بكثير.
المنهج الجديد يحتاج إلى تمويل، وإلى تنظيم للمعلمين، وإلى تدريب، وإلى مدارس جاهزة، وإلى إدارة مدرسية تستطيع القيام بأدوار جديدة، وإلى آليات للتقويم والمتابعة.
والكثير من هذه الأمور ليس بيد فريق المناهج وحده.
لدينا أيضًا مشكلة أن النظام التعليمي نفسه لم يتحول بعد بما يتناسب مع المنهج الجديد. لدينا جامعات تعدّ المعلمين على أساس تخصصات محددة، ومدارس موزعة بطريقة معينة، وأنظمة توظيف وتعاقد تراكمت عبر سنوات طويلة.
ولهذا لا أعتقد أن أحدًا يملك اليوم كل الأجوبة.
المهم أن نبني آلية تسمح لنا بالتعلم من التطبيق نفسه.
مها شعيب: هل لهذا السبب جعلتم المنهج قابلًا للتعديل بصورة مستمرة؟
عدنان الأمين:
بالضبط.
من الأشياء التي أعتبرها مهمة جدًا ألا نعود إلى فكرة أن نضع منهجًا ثم ننتظر ثلاثين سنة قبل أن نعدله.
المنهج يجب أن يخضع للتقييم بصورة مستمرة. إذا طبقنا شيئًا واكتشفنا بعد سنة أن ناتجًا فرعيًا غير مناسب، لماذا ننتظر مشروعًا وطنيًا جديدًا وتمويلًا دوليًا جديدًا حتى نغيره؟
المفترض أن يكون هناك تقييم دوري، وأن نستطيع تعديل الأجزاء التي تحتاج إلى تعديل من دون إعادة فتح المنهج كله.
لهذا حاولنا أن يكون المرسوم نفسه «رشيقًا»، بحيث يعطي إطارًا عامًا مستقرًا، لكن يسمح بتطوير التفاصيل بناءً على ما نتعلمه من التطبيق.
وهذه، بالنسبة إليّ، نقلة مهمة جدًا: منهج لا يُنجز مرة واحدة ثم يُغلق، بل منهج يتطور باستمرار.
مها شعيب: إذا أردنا أن نلخص التحدي اليوم، هل يمكن القول إن تصميم المنهج ربما أصبح أقل صعوبة من تغيير الثقافة التعليمية التي ستطبقه؟
عدنان الأمين:
نعم، ربما هذه هي القضية الأساسية.
المطلوب في النهاية ليس فقط وثائق جديدة. المطلوب ثقافة جديدة في التعليم.
إذا أعطيتِ المعلم منهج كفايات لكنه استمر في التدريس بالطريقة القديمة، وإذا بقي الامتحان يقيس الحفظ، وإذا بقي الكتاب هو المرجع الوحيد، وإذا بقيت الجامعة تعد المعلم بالطريقة نفسها، فلن يكون لدينا تغيير حقيقي.
لذلك، المرحلة المقبلة ليست فقط مسألة تدريب مجموعة من المعلمين على وثيقة جديدة.
هي مسألة كيف نغيّر تدريجيًا طريقة التفكير في التدريس والتعلم والتقويم، داخل المدرسة وكليات التربية والإدارة التربوية.
وهذه العملية لن تحدث بين ليلة وضحاها.
مها شعيب: أخيرًا، هناك انتقادات بدأت تظهر حتى قبل التطبيق. كيف ينبغي التعامل معها؟
عدنان الأمين:
النقد ضروري، ولا يمكن تطوير المناهج من دون نقد.
لكن هناك مشكلة عندما يُنتقد شيء لم يُنشر بعد أو لم يبدأ تطبيقه، أو عندما يُخلط بين وثائق سابقة وبين ما أصبح معتمدًا حاليًا.
لذلك أقول دائمًا: لنبدأ من النص الذي أصبح المرجع الرسمي، أي المرسوم والمصفوفة، ثم نناقش.
يمكن بالتأكيد الاعتراض على الكفايات، أو الدمج، أو النواتج، أو طريقة التطبيق. وهذه مناقشات مشروعة ومطلوبة.
لكن علينا أن نعرف أولًا ما الذي ننتقده.
أما الاختبار الحقيقي فسيأتي عندما يبدأ التطبيق. عندها يجب ألا ندافع عن المنهج لمجرد أننا كتبناه. إذا أظهر التطبيق مشكلة، يجب أن نعود ونعدل.
بالنسبة إليّ، نجاح المشروع ليس في أن نقول بعد سنوات من العمل: «أنجزنا المنهج». النجاح هو أن نخلق نظامًا يستطيع أن يطبق، ويقيّم، ويتعلم من أخطائه، ويعدل باستمرار.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يبدأ الآن.







